«ومِن البليَّةِ عذلُ من لا يرعوي عن غيِّهِ.. وخطابُ من لا يفهَم! وإذا أشارَ مُحدِّثاً فكأنَّهُ قردٌ يُقَهْقِهُ أو عجوزٌ تلطِمُ! ومن العداوة ما يُصيبُكَ نفعُهُ ومن الصداقةِ ما يضُرُّ ويُؤلِمُ ذو العقل يشقى بالنعيم بعقلِهِ وأخو الجهالةِ في الشقاوةِ ينعَمُ» المتنبي


على قول المثل «خذوا أسرارهم من أفواه صغارهم». لم تكن ذلة لسان عندما قال النائب الدكتور ​ماريو عون​ ما معناه انّ ​رئيس الجمهورية​ لن يترك ال​رئاسة​ عند نهاية ولايته! بالطبع، فإنّ ​الدستور​ واضح بخصوص نهاية ولاية الرئيس، وإن كان ​مجلس النواب​ سيّد نفسه، وقد جدّد ومَدّد لنفسه مرات عديدة، كما مدّد لرؤساء آخرين في ظل سلطة تقطع رقاب من يخالفها، لكنه لم يحدث يوماً أنّ رئيساً ما بقيَ في سدة الرئاسة بعد انتهاء ولايته، أكانت أصيلة أو ممددة. وحتى في ظل الحرب الأهلية، وفي ظل الانقسام في البلد، خرج رئيس الجمهورية من ​قصر بعبدا​ سنة 1988 بتخريجة معروفة كانت بنقل ​السلطة​ إلى ​مجلس وزراء​ برئاسة العماد ​ميشال عون​. وبناء على دستور 1943 فقد كان الإجراء دستورياً، وإن كان غير ميثاقي! لكنّ المفارقة كانت عصيان رئيس الوزراء في قصر الشعب، على رغم أنّ سدة الرئاسة لم تعد فارغة بانتخاب المرحوم الرئيس ​الياس الهراوي​. وصار ما صار إلى أن خرج ساكن القصر بالطريقة التي نعرفها، ولا لزوم لتكرار ما حصل، لأنّ كلّاً منّا سيَستنسِب العبَر الملائمة لتوجهاته السياسية من ذاك الحدث.


وبالعودة الى قضية البقاء في القصر بعد أفول ​العهد​، يسوّغ البعض بأن هذا البقاء ضروري ليستكمل الرئيس برنامجه للإصلاح والتغيير! وذلك لأنّ المناكفات وحدود السلطات الدستورية، التي منعت الرئيس من السيطرة على السلطة التنفيذية منفرداً، «ما خَلّت» العهد أن يحقق ما كان مستحيلاً، وهو تغيير قواعد اللعبة السياسية في البلاد. هو في الواقع حلم الغالبية العظمى من اللبنانيين أن يصحوا فجأة على تغيير قواعد اللعبة القاتلة، والتي تحولت إلى أشبه بلعبة الروليت الروسية، وذلك في مسار السلطة ومحاصصاتها التي أوصلت البلاد والعباد إلى يوم إطلاق الرصاصة الأخيرة في تلك اللعبة، بعد أن نفدت كل الحظوظ المتاحة بفرص عدم الإصابة بطلقة في الرأس.


لكن بالعودة إلى الإصلاح والتغيير، وسأتحدث بلغة المراقب الحيادي، فمن نافل القول اننا فشلنا جميعاً ككتل زعاماتية في إحداث أي تغيير وأي إصلاح، وهذا بالبطبع يشمل التنظيم الذي أنتمي إليه. وكلنا يقول «ما خَلّونا». وقد يكون من الخطأ تقديم الإصلاح على التغيير، فالأوفق ربما هو التغيير قبل الإصلاح، أي أنّ الإصلاح لا يمكن أن يحصل من دون تغيير السلطة وطريقة أدائها. وهذا كلام حق، وكان من الممكن أن نقتنع به لو أنّ رائد الإصلاح والتغيير غيّر قواعد اللعبة في بيته، أي خرج من منطق التوريث العائلي إلى تنافس ​الكفاءات​، وانتقل من مستنقع ​المحاصصة​ إلى حكم المؤسسات، وترك للسلطات المستقلة حريتها في القرار، وحرّر ​مجلس الخدمة المدنية​ من تَسلّط سيف التفاهات الطائفية، وأطلقَ يد ​القضاء​ بدل المظاهرات الشعبوية حول المؤسسات الخاصة... لائحة طويلة لا تنتهي من الملاحظات التي أسوقها من دون غرضية، فمَن بيته من زجاج لا يرشق الحجارة، ومن كان منّا بلا خطيئة فليرجمها بأول حجر. وقد يكون من المنطقي اعتماد مبدأ عالم ​الاقتصاد​ الكبير جوزف شومبيتر «التدمير الإبداعي»، وهو يعني أنّ أي ​منظومة​ غير قابلة للإصلاح والتغيير يجب تدميرها، ولو معنوياً، في سبيل السماح لخيارات مبدعة جديدة. لكن تلازم تدمير المنظومة يجب أن يكون مع الإبداع في البدائل، أي ألّا يحلّ الفراغ بعد تدمير ما هو قائم، ولا أن تحل منظومة أسوأ من التي تم تدميرها!


بصراحة، لم أجد في منظومة الإصلاح والتغيير أي بارقة أمل بوجود إمكانية ولو ضئيلة للإبداع، فيما عدا الإمعان في التدمير والتعطيل. وبخصوص التعطيل فما هو واضح من منظومة العهد هو أنّ النجاح كان حليفها بالوصول إلى أهدافها من خلال التعطيل. فمنظومة «لعيون صهري ما تركب حكومة» هي السارية والحاكمة لقرار العهد، ودليل نجاحها هو أنه بالفعل لم تركب حكومة من دون الصهر، ولم ينتخب رئيس جمهورية إلّا بعد تأكيد نتائجها بنجاح سيّد العهد. ولا هم كم من التعطيل ومن الأيام المهدورة من عمرنا تسببت بها هذه المنظومة من يوم حلّ التسونامي العظيم ضيفاً ثقيلاً وموجعاً على صدور أبناء هذا البلد المنكوب.


لكن لماذا هذا الإصرار المرضي الآن بالذات على الثلث المعطل؟ قد يظن البعض أنّ الخلفية هي فقط كسر ​سعد الحريري​، وقد يكون بعضه كذلك، لكن المؤكد أنّ القضية لا علاقة لها بالحفاظ على ​حقوق المسيحيين​. فالهَم الوحيد اليوم هو حكومة يمكن تعطيلها خلال الحكم، وإقالتها قبَيل نهاية العهد، بقرار من الصهر الذهبي. فلا بأس إذا عيّنَ مسيحيين أو دروزاً أو شيعة أو سنّة أو من اي احتمال آخر لضمان الثلث المعطل! كما لا مانع أن يترأس ​الحكومة​ سعد الحريري أو أي رئيس آخر طالما أنّ مفتاح تعطيل الحكومة بيد الصهر.


لكن لماذا؟ الجواب هو أنّ مؤشرات الخراب الزاحفة ستتسبّب على الأرجح بفراغ سيطال السلطة التشريعية «لعدم إمكان إجراء ​الانتخابات​ التشريعية» في وقتها بعد أقل من سنة. وبالتالي، سيخرج مفتي ​القصر الجمهوري​ بأرنب عدم جواز أن ينتخب ​مجلس نيابي​ «غير شرعي» رئيساً جديداً للبلاد. لكن هذا لا يكفي، فإن حصل ذلك، فمن واجب رئيس البلاد الدستوري أن يخرج من القصر ومن سدة الرئاسة ويسلّم صلاحياته بحسب الأصول إلى ​مجلس الوزراء​ بعد نهاية ولايته التي تأتي بعد أشهر من نهاية ولاية ​المجلس النيابي​. لكن إن كان مجلس الوزراء مستقيلاً بحكم ​استقالة​ الثلث المعطّل، فالجواب للمفتي ذاته هو عدم جواز حصول الفراغ الكامل في السلطة التنفيذية، وبالتالي فالبقاء بالقصر إلى حين انتخاب رئيس جديد من ​مجلس نواب​ جديد! وبالتالي تتحقق نبوءة النائب الذي أراد ​التمديد​ للرئيس.


فكرة من عالم ​الخيال​؟ لكن في تاريخ جماعة العهد ما هو أسوأ من ذلك، وكل ما يحصل اليوم ما هو سوى تعطيل على نية الفراغ.