إنطلاقاً من رغباتها ومصالحها في الحفاظ على الحدّ الأدنى من الإستقرار المحلي، يعقد في العاصمة الفرنسية ​باريس​ اليوم مؤتمراً دولياً لدعم ​المؤسسة العسكرية​، جاءت فكرته بعد زيارة قائد الجيش ال​لبنان​ي ​العماد جوزيف عون​ الماضية، التي التقى خلالها الرئيس ​إيمانويل ماكرون​، نتيجة التداعيات الكارثيّة للأزمة المالية والإقتصاديّة على واقع المؤسسة العسكرية، على وقع تحذير جديد من ​البنك الدولي​ بأن الجيش مهدّد الآن بأحد أسوأ الانهيارات الماليّة.

في هذا السياق، هناك نقطة أساسية ينبغي التوقف عندها تكمن بأن هذا المؤتمر، من الناحية الوطنية، هو "شرشحة" برعاية دوليّة، نظراً إلى أنّ الهدف منه هو البحث في كيفية تأمين مقوّمات بقاء مؤسّسة من المفترض أن تمثل كرامة أيّ دولة تحترم نفسها، بينما هي تجد نفسها اليوم تعيش، كما معظم اللبنانيين، على المساعدات التي تُقدّم لها من قبل "المحسنين" من الدول.
مفهوم المساعدات بين الدول هو أمر طبيعي، خصوصاً إذا كانت ​الدولة​ التي ستقدم لها المساعدات تمرّ بأزمة أو تعاني من شحّ في الموارد، لكن أن تصل إلى حدود البحث عن كيفية تأمين المواد الغذائيّة والطبّية هو أمر لا يمكن تقبله بأي شكل من الأشكال، خصوصاً أنه يترافق مع إستمرار المسؤولين السياسيين في لعبة "العناد" من أجل لحصول على المزيد من المكاسب الخاصة في ملف ​تأليف الحكومة​، في أصعب مرحلة تمر بها البلاد، مع العلم أن جميعهم يؤكدون أن الإنتهاء من هذا الملف من المفترض أن يكون المعبر الأساسي لأي معالجة محتملة.
ما تعيشه المؤسسة العسكرية، بالإضافة إلى باقي المؤسسات الأمنية، لا ينفصل عمّا يعاني منه معظم المواطنين، المتروكين لمواجهة مصيرهم من دون وجود أي مسؤول يسعى إلى البحث عن الحلول المنطقية لأزمات وجودية، من فقدان السلع الغذائية الأساسية إلى فقدان ​الأدوية​ والمواد الطبية إلى فقدان ​المحروقات​، الأمر الذي حولهم إلى مجموعة من المتسولين، يمضون ساعات في طوابير من الذل من أجل الحصول على الحد الأدنى من حقوقهم.
قبل نحو اسبوعين، أعلن البنك الدولي أن الإنهيار الحاصل في لبنان يضعه ضمن أسوأ عشر أزمات عالميّة وربما إحدى أشد ثلاث أزمات، منذ منتصف القرن التاسع عشر، في غياب أيّ أفق لحلّ يخرجه من واقع متردّ يفاقمه الشلل السياسي، الأمر الذي كان من المفترض أن يدفع المسؤولين، في حال وجودهم، إلى البحث عن أيّ وسيلة تقود إلى الخروج من ​الأزمة​ التي تقضي على أي أمل بالبقاء، إلا أنهم قرروا الإستمرار في لعبة التعطيل نفسها، لا بل ذهبوا أبعد من ذلك عبر العمل على رفع مستوى التوترات الطائفيّة والمذهبيّة.
طوال الفترة الماضية، كان يحضر في توصيف الواقع القائم التشبيه الذي قدمه ​وزير الخارجية​ الفرنسية إيمانويل ماكرون، في شهر كانون الأول من العام الماضي، عندما قال: "لبنان هو ​تايتانيك​ من دون الأوركسترا… ​اللبنانيون​ في حالة إنكار تام وهم يغرقون، ولا توجد حتى موسيقى"، لكن اليوم يمكن الجزم بأن البلد بات أشبه ب​طائرة​ مخطوفة من قبل عصابة إجراميّة، تأخذ جميع المواطنين رهائن ل​تحقيق​ مصالحها الخاصة، تحت عناوين تدغدغ الغرائز وتثير العصبيّات.
في المحصّلة، السؤال الأساسي الذي من المفترض أن يطرح نفسه عند سماع أي تصريح من المسؤولين اللبنانيين، في المرحلة الراهنة، يجب أن يكون هو عمّا إذا كانوا يعيشون مع المواطنين في البلد نفسه، ويعانون ما يعانيه من أزمات، على أمل أن ترضي الإجابة من تبقى من أنصار مستمرّين في "التطبيل" والدفاع عنهم عند كل محطة.