في كلّ مرّة أقرأ خبرًا واردًا من دولة حضاريّة عن تخصيص ثلاثة أيّام عطلة في نهاية كل اسبوع بدلاً من إثنين، بعد أن أثبتت الدراسات أنّ إنتاجيّة المُوظّف والعامل ترتفع أكثر خلال أيّام العمل في حال أتيح له الترفيه والإستمتاع بوقته خلال العطلة الأسبوعيّة، أتأكّد كم نحن في ​لبنان​ رجعيّون! وفي كلّ مرّة أقرأ خبرًا مُرتبطًا بالأسلوب الذي إعتمد في الدول الحضاريّة خلال تطبيق التعليم عن بُعد (Online) بسبب جائحة "​كوفيد 19​"، لجهة إلغاء الإمتحانات أو جعلها شبه شكليّة، والتركيز على ترغيب التلاميذ بالتعلّم من دون أيّ ضُغوط، أتأكّد أكثر فأكثر كم نحن مُتخلّفون!.

في لبنان، كان ​العام الدراسي​ الذي وصل إلى نهايته كارثيًا، حيث فشلت المدارس الرسميّة في نقل العلم والمعرفة إلى التلاميذ و​الطلاب​، إن حُضوريًا أو عن بُعد، بسبب ​الإقفال​ القسري وغياب الإمكانات اللوجستيّة، وغيرها من الأسباب. أمّا في ​المدارس الخاصة​، ومنها بطبيعة الحال المدارس الكاثوليكيّة،فإنّ ​السنة​ التعليميّة عن بُعد كانت جيّدة بشكل عام، لكن شابها إصرار أغلبيّة من المُدراء والمسؤولين التربويّين على إعطاء أهميّة لمنطق الإمتحانات والعلامات والتخويف-كالعادة، بدلاً من مُساعدة التلاميذ على تجاوز صُعوبات التعلّم عن بُعد، وحثّهم على حُبّ التعلم والإكتشاف وتطوير قدراتهم اللغويّة والدراسيّة عُمومًا.
وبالتالي، بدلاً من تفهّم واقع التعليم عن بُعد، وصُعوبة التركيز والتواصل والتفاعل، والعمل على تشجيع التلاميذ على المُشاركة وبذل الجُهود، وعلى تنمية حُبّ التعلّم لديهم، من خلال التخلّي عن منطق الإختبارات، جرى إجراء إمتحانات دَوريّة للتلاميذ، بحجّة مُتابعة مدى مواكبتهم للشروحات ولتقييم فهمهم ومُستوى تحصيلهم. لكنّ ما حصل أنّ أغلبيّة ساحقة من الأهالي قامت خلال العام الحالي بمواكبة الأولاد خلال مراحل تعلّمهم عن بُعد، وبمدّهم بكل أنواع المُساعدة، خاصة خلال إجراء الإمتحانات عن بُعد. بمعنى آخر، قام الأهل بابتكار أساليب مُتطوّرة للغشّ، وبابتداع أساليب مُتقدّمة لرفع علامات أولادهم. فكادر كاميرا ​الحاسوب​ محدود، ومن المُمكن فتح أكثر من جهاز رقميّ في آن واحد، وبالتالي، صار كل تلميذ ينتظر الإجابات من أهله، إن عبر الإيماء، أو عبر قُصاصة ورق، أو حتى عبر كتابة كاملة للأجوبة...
وبدلاً من أن تكون سنة التعلّم عن بُعد، فرصة لتبديل مفهوم التعليم في لبنان من تنافسي بين رفاق الصفّ الواحد، ومن إستعلائي وتشاوفي بين تلميذ سريع الفهم والإستيعاب وآخر بطيء الفهم والإستيعاب، ومن مهين ومُسبّب للمشاكل النفسيّة بين تلميذ يُوصف بالمُجتهد وآخر يُوصف بالكسول، أصرّ عدد كبير من المُدراء والمسؤولين التربويّين على إجراء إمتحانات عن بُعد، علمًا أنّ الغشّ كان العنوان الأبرز لهذه الإختبارات. فبإستثناء بعض التلاميذ الذين لم تكن الفرصة مُتاحة لهم لأن يواكبهم شخص من عائلتهم، إستفادت أغلبيّة واسعة من التلاميذ من مُساعدة أهاليهم، لرفع علاماتهم. والأخطر من إعطاء تقييم غير مُنصف لأداء التلاميذ بسبب هذه الظاهرة، أنّ التلاميذ تعلّموا أنّ الغشّ أمر مسموح وطبيعي وعادي، وهو يُمكن أن يكون بمباركة الأهل! فعن أي جيل مُستقبلي نتحدّث، إذا كان الأمر كذلك؟! من هنا، في حال كان العام المُقبل صعبًا وغير تقليدي أيضًا، كما هو ظاهر من اليوم، بسبب المشاكل الإقتصاديّة واللوجستيّة التي يتعرّض لها لبنان، أي في حال إضطرّت المدارس إلى إعتماد التعليم عن بُعد مُجدّدًا، أكان بشكل جزئي أم كلّي، نتيجة إستفحال الغلاء أو فقدان ​البنزين​ أو بفعل إنقطاع ​الكهرباء​ وإنقطاع ​المازوت​ للإضاءة وحتى لتأمين التدفئة في ​الشتاء​، إلخ. من الضروري أن تكون الأولويّة لتشجيع التلاميذ على التعلّم، وليس لتخويفهم ولدفعهم مع أهاليهم إلى إعتماد الغشّ كوسيلة عاديّة لرفع العلامات!.
في الختام، لقد آن الأوان للجسم التعليمي في لبنان، خاصة في المدارس الكاثوليكيّة، أن يُواكب التغيير الكبير الحاصل في أساليب التعلّم في الدول الغربيّة المُتقدّمة، حيث تتضاءل الروح التنافسية السخيفة بين التلاميذ، ولا تُعطي أهميّة لتفوّق وهمي لا يُقدّم ولا يؤخّر عند الدُخول إلى سوق العمل في أغلبيّة الأحيان، وذلك لصالح مُساعدة كل التلاميذ على كسب المعرفة من دون ضُغوط أو تخويف، وكذلك من دون تصنيف وتراتبيّة، وخاصة لصالح تنمية قُدرات كل تلميذ في المجال الذي يُحبّه والذي لا بُدّ وأن يبرع فيه في المُستقبل...