قد يكون من سوء طالع الرئيس ميشال عون انه انتخب رئيسا لجمهورية منكوبة، منهوبة، يستوطن الفساد عقول وقلوب شرائح واسعة من أبنائها، الذي اعتادوا منذ الاستقلال على ثقافة المحسوبية والزبائنية والفساد، والوسائط، مغلفة بدفاع مزيّف عن حقوق الطوائف والمذاهب، والعائلات الاقطاعية التي اقتطعت نفوذا على مقاس مصالحها، وهو اعتقد ان بإمكانه أن يقلب الطاولة وأن يقوّم ما اعوجّ متّكلا على تأييد شعبي واسع وكتلة نيابية وازنة لها حضورها في المشهد السياسي والتشريعي. لكنه لم يحسب ان العوائق التي ارتفعت في وجهه هي أقوى من ارادته على التغيير. كما أن حجم القوى المرتبطة بمنظومة من المصالح المتشابكة هو من النوع الذي يصعب كسره في ظلّ الصراع الدولي والاقليمي الذي يسترهن لبنان إلى الوقت الذي تتحدد فيه الخيارات والتسويات.

ولأن من يواجه هذه القوى عليه ان يتحمل تبعات عمليّته الصعبة والمعقدة،تعرض الرئيس عون إلى شيطنة مدروسة، متينة الحبك، استهدفت أقرب معاونيه ورموز تياره وفي مقدمهم النائب جبران باسيل الذي أُلصقت به اتهامات بارتكاب خطايا ومخالفات ترقى إلى عقود طويلة، إلى زمن بعيد حتى قبل أن يولد او يقترن بكريمة عون، ولولا بعض الحياء لكان المتربّصون حملّوه مسؤوليّة الحرب اللبنانية في العام ١٩٧٥، اي قبل أن يولد.
وقد تحالفت الزعامات التقليديّة من حزبيّة واقطاعيّة وفاعليات ماليّة واقتصاديّة تنتمي إلى الرأسمال المتوحّش،تؤازرها قيادات روحيّة من مختلف الطوائف، ومَن مِنَ اللبنانيين لا يذكر كيف أنّ مفتي الجمهورية الشيخ عبد اللطيف دريان قال ان فؤاد السنيورة -عندما راج كلام من انه سيكون عرضة لمساءلة مالية- هو " خط احمر"، وكيف ان سيد بكركي البطريرك الكاردينال مار بشاره بطرس الراعي شدّ حقويه ولبس "الطابيّة" وامسك عصاه،وتوجّه إلى قصر بعبدا للدفاع عن حاكم مصرف لبنان رياض سلامه، وكيف قرب اليه رئيس جمعية المصارف سليم صفير وشمله بحمايته. ويطول الحديث عن موضوعات كهذه. وسط نشاط مكثّف لمنظّمات غير حكوميّة اغاثيّة،اجتماعيّة، مهنيّة، اعلاميّة أنفق عليها رعاتها من وراء الحدود اموالا طائلة على اساس انها المعوّل والبديل عن سلطة فاسدة،لتوزيع المساعدات ودعم المجتمع المدني، ليتبيّن في ما بعد أن هذه المنظّمات تتشكل من نفعيين تولّوا السطو على ما ائتمنوا عليه.
لكن لا حياة لمن تنادي، لأن ليس هناك اكثر عمى من الذي لا يريد أن يبصر، وليس اكثر صمَمًا من الذي يرفض ان يسمع.
وما زاد في الطين بلة ان تيار الرئيس لم يكن متماسكا بما يكفي، غابت عنه قدرته في صوغ استراتيجية محكمة، فقامت بين كادراته حرب أين منها حرب داحس والغبراء، متناسيًا أنّ العدوّ على الأبواب والاسوار تكاد تنهار. خصوصًا بعدما تبيّن أنّ لكل كادر أجندة خاصة به،من دون أن يعني ذلك عدم الولاء للرئيس عون ومحبته. ولكن أين يُصرف ذلك اذا كان التخبّط سيد الموقف؟.
هل جاء الرئيس في الزمن الغلط ليصحح ما يتعذر تصحيحه؟هل كان عليه ان ينتخب على رأس الجمهورية من قبل؟هل كان عليه ان يبقى بعيدا من الحكم على رأس تيار واسع،جارف من خارج؟ الم يكن الأجدى به ألا ّيدخل في تسويات؟ وهل كان ضروريا أن يبرم تفاهم معراب مع " القوات اللبنانية"، وهو الاتفاق الذي جنت منه الاخيرة اكثر مما جنى "التيّار الوطني الحر"؟ على أن التسوية الحكومية الهشّة أصابته بندوب، وتسبّبت له بمشكلات، طاولته شظاياها الحارقة، وامسكته في المواضع الأكثر ايلاما؟.
اما وقد حصل ما حصل، لم يتبقّ للرئيس عون سوى تطوّر "زلزالي" يمكنه من استعادة المبادرة. فهل مثل هذا التطور محتمل الحدوث، أو حديث خرافة؟لا أحد يمتلك الجواب.فهل يقول الرئيس عون كل شيء، ما له وما عليه،بصراحته المعهودة؟!.
الرئيس ميشال عون مظلوم، وعليه الا يخشى الاعتراف بذلك.لم تعد القفازات تليق بكفّيه.