أشاد سفير لبنان في الفاتيكان فريد الياس الخازن بمبادرة البابا فرنسيس في الأول من تموز الجاري، لجمع رؤساء الكنائس، الكاثوليكية والأرثوذكسية والإنجيلية. واشار في حديث الى "الوكالة الوطنية للاعلام" الى إن اللافت في هذا اللقاء كان "تلقف الفاتيكان المبادرة والإعداد له بأقصى سرعة، فضلا عن الاهتمام الخاص بالمدعوين الذين مكثوا مع الوفود المرافقة في مركز إقامة البابا في Santa Marta".

واوضح الخازن "لعل الأبرز في اللقاء حضور قداسة البابا فرنسيس الجلسات الثلاث التي تخللها مداخلة في كل منها ونقاش بين المشاركين، بإدارة السفير البابوي في لبنان، عكس التنوع في الآراء، بينما ظل البابا ومعاونوه الأربعة مستمعين. وفي الختام، كانت صلاة في بازيليك القديس بطرس معدة بإتقان بلغات الكنائس المشاركة، حضرها عدد كبير من السفراء المعتمدين لدى الكرسي الرسولي وكبار مسؤولي الفاتيكان، بالإضافة الى رجال دين لبنانيين وعلمانيين مقيمين في روما. أما الكلمة الختامية، التي تلاها البابا بالإيطالية وترجمت في كراس الى العربية والإنكليزية، فجاءت بمثابة بيان رسمي عن اللقاء وخارطة طريق لتوجهات الكرسي الرسولي. كان يمكن ألا يحضر البابا كل الجلسات، أي أن يكتفي بالمشاركة في الصلاة الختامية، إلا أن حضوره وتدوينه ملاحظات جاء تأكيدا على حرصه وقلقه على الأوضاع الشائكة في لبنان، ولاسيما معاناة الناس اليومية جراء الأزمات المتفاقمة".
وذكر الخازن بأن "لا خلفية سياسية للقاء ولا أجندات مسبقة، خلافا لما روجه البعض في لبنان، استنادا الى مصادر تدعي الإلمام بمسائل غابت حتى عن أصحاب القرار في الكرسي الرسولي. فالفاتيكان ليس منخرطا بالشأن السياسي في لبنان ولا في تجاذبات المحاور في الداخل والخارج. الدعوة الى تشكيل حكومة، على سبيل المثال لا الحصر، لم تعد مسألة سياسية بالمعنى الضيق، بل حاجة ملحة للإنقاذ ولتسهيل الدعم المطلوب".
وعن كلمة البابا الختامية، رأى أنها كانت "واضحة في مضامينها ومفرداتها، وفيها تنبيه مزدوج، شديد اللهجة: باتجاه الداخل من أجل حث المسؤولين على القيام بواجباتهم، بعيدا عن الغايات الذاتية والمصالح الضيقة، وباتجاه الخارج بهدف إبعاد لبنان عن محاور النزاعات واتاحة الفرصة للتعافي". وراى بان "هذا يعني، بحسب القراءة الفاتيكانية، وجود أزمة بشقين: جانب داخلي يخص السلطة والأوضاع المعيشية المتردية وكرامة الإنسان، وآخر يخص المحيط الإقليمي المأزوم والسياسات الدولية. انها عناوين كبرى لعمل الكرسي الرسولي الديبلوماسي وتواصله مع الجهات الدولية المعنية بالشأن اللبناني، ولاسيما فرنسا ودول الاتحاد الأوروبي، وفي الفترة الأخيرة الإدارة الأميركية الجديدة. ويؤكد المسؤولون في "الكوريا الرومانية" أن لبنان مسألة ثابتة على جدول أعمال لقاءات البابا ومعاونيه مع الجهات الدولية. وتجدر الإشارة الى أن الانتماء الديني للرئيس الأميركي، الذي يلقى معارضة في بعض اوساط الكنيسة الكاثوليكية في أميركا، غير مرتبط بالشأن اللبناني ولا بتوجهات ال​سياسة​ الأميركية".
أما عن دوافع اهتمام الفاتيكان بلبنان، فلفت الخازن الى أن "أبرزها هموم الناس المعيشية وحقهم بحياة بلا عوز وبالعدالة وبمستقبل أفضل، وقيام سلطة مسؤولة تعمل من أجل إيجاد الحلول للأزمات، فلا يتحول لبنان الى دولة فاشلة، وطبعا الحفاظ على لبنان، وطن الرسالة والعيش المشترك، الذي طالما جسده التنوع اللبناني بحرية وارادة ذاتية لا مثيل لها في بلد آخر".
أضاف: "إلا ان عيش الناس بكرامة مهدد اليوم، والمعاناة تصيب الجميع من كافة الطوائف والانتماءات السياسية. الفاتيكان يساعد بلا غايات ضيقة أو حسابات ذاتية. والمطلوب اليوم من لبنان الحد الأدنى من أجل المساعدة والإنقاذ. لكن هذا لا يعني ان ليس للدول مصالح وغايات، وهي غير معفاة من المسؤولية. إلا ان التحرك الدولي لم يأت من فراغ، بل بسبب أزمات غير مسبوقة، ليست كلها من صنع الخارج، في أسبابها وادارتها وحجمها. ولا ننسى أن انفجار المرفأ وتداعياته الكارثية شكل محطة مفصلية للاهتمام الدولي المباشر بأوضاع البلاد. من هنا فان زيارة أي مسؤول أجنبي للبنان أو تناول الشأن اللبناني في المحافل الدولية لا يعني بالضرورة ان العالم لا قضية تشغله سوى لبنان، او ان ما يحصل في الخارج يمكن توظيفه في الإصطفافات الداخلية".
وذكر بانه "ثمة توافق دولي حاليا حول مسألتين: قيام سلطة مسؤولة وفاعلة وإقرار الإصلاحات في إدارة شؤون الدولة، وخصوصا المالية والإدارية والاقتصادية. وهذه المطالب تأتي بالدرجة الأولى تلبية لحاجات تخص لبنان، الدولة والمجتمع، وليس أطراف الخارج. فلا السياسة الفرنسية، مثلا، على المحك بسبب أزمات لبنان، ولا العلاقات المأزومة بين أميركا وإيران محورها لبنان، ولا سياسيات دول الاتحاد الأوروبي مرتبطة بالشأن اللبناني، ولا طبعا مسار المبادرات الإصلاحية التي أطلقها البابا في دوائر الفاتيكان. فالمتضرر الأول والأخير جراء تردي الأوضاع هم اللبنانيون أنفسهم وليس المجتمع الدولي. وفي ميزان الفاتيكان، زيارة البابا الى لبنان لا بد أن تكون محطة مجدية تساهم في انتشال لبنان من أزماته، لا مناسبة للاحتفال وأخذ الصور التذكارية، أي أنها تأتي تتويجا لمبادرات لم تتوقف منذ نحو عامين، انطلقت بمواقف البابا في مناسبات عامة وزيارة الكردينال بارولين الى لبنان، منتدبا من البابا، بعد إنفجار المرفأ، وأخيرا لقاء القيادات الروحية في الفاتيكان، فضلا عن الدعم المادي والمعنوي والديبلوماسي المتواصل".
ولفت الخازن الى انه "بكلام آخر، ثمة تكامل في تحمل المسؤوليات بين لبنان والفاتيكان على قدر الآمال والتوقعات. الحبر الأعظم عمل ويعمل من أجل لبنان في كافة المجالات المتاحة، وما علينا سوى أن نفتح الباب ونبادر بصدق والتزام. هذا هو تحدي المتابعة الهادفة، إذا كنا فعلا مؤمنين ومؤتمنين على ديمومة لبنان، الوطن والرسالة والدولة والكيان، صونا للحق والعدل وكرامة الإنسان. والأهم من ذلك اتخاذ الخطوات المناسبة قبل فوات الأوان، فيكون لبنان، كما قال البابا فرنسيس "بلدا صغيرا كبيرا"، أي صغير في مساحته، كبير لجهة انه "مشروع سلام"، لا بد من صونه. امتحان صعب بلا شك، إلا أنه غير مستحيل".