تلقيت اتصالًا من أحد أبناء الرعية، أحد الذين أنهكتهم الأوضاع الإقتصادية وذلّتهم. كان ودمع عينه ينسكب شاكيًا همّه. فهو خسر ما تقاضاه من تعويض، مقابل أربعين عامًا من الكدّ والتعب. بدأت الكلمات تخرج من فمه، ووجعه يعبر من الهاتف إلى أذني، وجوارحي تتألم معه. قصد هذا الرجل أحد أقربائه المسؤولين في الدولة، وقد وعده بالمساعدة، ومرّت ستة أشهر ولم تصل المساعدة، فسألني إن كان قد أخطأ بحقهم، وهم منه نافرون.
حاولت أن أخفف من معاناته، وتلقائيًا، عرضت عليه المساعدة بما تيسّر، فقال توًا: "يا أبونا ما معي بنزين لأطلع لعندك".
وبالأمس القريب حاولنا إدخال مريض إلى مستشفى حكومي، فرفضوا استقباله، بسبب فقدان الأدوية، ودبّر الله أمره وأمرنا، فكانت له حظوة في مستشفى حكومي آخر، بعد أن رفضت عدّة مستشفيات قبوله على نفقة وزارة الصحة.
وفي الساعات الماضية، قَصدني أحدهم، للحصول على دواء لأمر طارئ، وغير متوفر في صيدليات بلدته، فسعينا مع الخيّرين، إلا أن الجواب كان دائمًا: مقطوع. وصديق لي، يسهر الليل ليحافظ على إبر الإنسولين، ويضعهم على ألواح الثلج الى حين تعطّف مالك مولد الطاقة، وزوده بالكهرباء.
أما "مولّد الإشتراك"، والذي بات يقنّن علينا، على مثال مؤسسة كهرباء لبنان، قصدني صاحبه، وعلّي أن أستعطي له المازوت، من خلال إتصالاتي ومعارفي، وما باليد حيلة. أما البنزين فحدّث ولا حرج، طوابير الذلّ تزداد يومًا فيومًا، وقد نالني منها الكثير، في سبيل الحصول على بضعة ليترات من المحروقات.
هذا غيض من فيض، فنسيبي تعرّض لحادث سيّارة. تأذت سيارته كليًا، ورغم وجود التأمين، من كِلا الطرفين، إلا أن شركات التأمين، تصطحبك إلى البحر، وتعود بك عطشانًا.
وعن وضع المستشفيات والمدارس والجامعات الخاصة، وأيضًا المأكل والمشرب والمَلبس، أسعار تكوي الناس، ما عدا قلّة تملك السيولة بالعملات الأجنبية. والمصارف تتحكم برقابنا وتستولي على مقتنياتنا، ودماء شهداء ٤ آب تصرخ وتنادي أين العدل والحق؟.
استعرضت بعضًا مما نعانيه في هذا البلد، الذي هو على كل شفّة ولسان، وحالنا جميعًا، دون الإشارة إلى وباء الكورونا، الذي عاد يفتك بنا، لإهمالنا الإجراءات الوقائية الملزمة، وعدم تلقي النصح من الأطباء الساهرين على صحتنا.
لا من رقيب أو حسيب، ولا من سامعٍ أو مجيب. مسؤولون فقدوا الإحساس، بلا ضمير أو وجدان. مسؤولون يتعللون بعلل الخطايا، مسؤولون تواطأوا مع الشيطان لتدمير شعبهم واذلاله. مسؤولون لا تفي الكلمات لإهانتهم وشتمهم. فما ذنبنا ندفع أثمانَ باهظة نتيجة أجنداتهم المحلية والإقليمية، والمرتبطة بدول وأنظمة ومشاريع. مسؤولون تسيّرهم تصاريح السفراء، ومصالح الدول الغريبة، والشعب ينشد الهجرة، والملك نائم، والمملكة إلى زوال، "وتصبحون على وطن".
شعبنا تعب، يَئِس، شعبنا قرف، وهنا أذكّر، أن زيادة بعض السنتات على خدمة الهواتف الذكية، أشعلت البلد ثورة، لم يكن لها مثيل، ولكنها انطفأت لأسباب وأسباب، في حين أن الدولار الواحد تخطى عتبة العشرين ألفًا، والثورة مسترسلة في النوم، والشعب مخدّر، منتظرًا الحلول من المجهول.
للأسف بلد تحكمه الطوائف والمحسوبيات والأزلام، والزبائنية، والمصالح الخاصة والضيقة، والحسابات الإنتخابية، عند الموالين والمعارضين على السواء، بلد يحكمه السلاح على كافة أنواعه، بلد تهيمن عليه العقول المتحجّرة والرجعيّة، بلد يدّعي الديمقراطية وهي مزيّفة، بلد يُشترى شعبه ويباع، بلد تديره الكراسي والمراكز، بلد يتهكم فيه المسؤولون على بعضهم البعض، ويرمون التّهم صبحًا ومساءً، وكأنهم برّاء من دم هذا الصدّيق. بلدٌ يعيش للأسف ثقافات وحضارات متعددة، والكل يغني على ليلاه. بلد لن يعرف النهوض، لأنّ تركيبته لم تكن يومًا مبنيّة على أسس الدولة العادلة والمدنية. منظومة تتحكم بنا منذ أكثر من ثلاثين عامًا، بلد لم يستطع أن يحكم ذاته منذ أن نشأ، لأسباب لن أدخل في تفاصيلها، لأنها أكذوبة الأكاذيب.
فطبيعي أن ينشد شبابه والآوادم الهجرة، لأنّ السيناريو المكتوب، رسم هذه المعادلة، بإنتظار "سايكس بيكو" جديد.
نعيش أزمة لا مثيل لها، حتى في عزّ الحرب اللبنانية لم نواجهها! أزمة أدخلتنا، بسبب مصالح الدول، التي يطبّقها لاعبون محلّيون، في نفق مظلم، لا بصيص نور فيه، ولكن يبقى الرجاء بالله، الذين يحاولون خطفه منّا. ولكن التغيير آتٍ، لا أعرف متى وكيف؟ لأن ما هو "غَيْرُ الْمُسْتَطَاعِ عِنْدَ النَّاسِ مُسْتَطَاعٌ عِنْدَ اللهِ"(لو 18: 27)،
فأرجوك يا رب، أمدد يدك وانتشلنا مما نحن فيه، إطلع من السماء وأصلح ما أفسده المسؤولون عندنا، ونحن لسنا ببراء. يارب ليس لنا ملجأ سواك، فالبشر من أعلى الهرم إلى أسفله، لا ندري ماذا يصنعون. كلّ ما نعرفه أننا تعبنا ويئِسنا وأُحبطنا، لكننا لن نفقد الأمل والرجاء بك يا الله، فاستمع إلى صوت طلبتنا.