بات من الواضح أنّ حكومة الرئيس نجيب ميقاتي لم تكن لتولد لولا توافر عاملين اثنين كانا السبب في التعجيل في إنضاج إعلان الاتفاق على تشكيلها وبالتالي صدور مراسيمها.

العامل الأول، قرار المقاومة كسر الحصار الأميركي عبر استيراد المشتقات النفطية من إيران، والتي وصلت أولى سفنها بالأمس إلى ميناء بانياس السوري، مما أجبر واشنطن على اتخاذ قرار تخفيف الحصار، ورفع الفيتو المفروض على تشكيل الحكومة.. وبالتالي إعطاء إشارة السماح بتأليف حكومة يشارك فيها حزب الله.. بعد أن كانت قد فجّرت صيغة التسوية في محاولة يائسة لفرض حكومة اللون الواحد التي تدين بالولاء الكامل للسياسة الأميركية.
العامل الثاني، تنفيذ شروط صندوق النقد الدولي لناحية تحرير سعر صرف العملة الوطنية ورفع الدعم تدريجياً، بكلّ أشكاله، خلال فترة عرقلة تأليف الحكومة منذ استقالة حكومة الرئيس حسان دياب.. واستطراداً تذليل العقبة من أمام شركة «ألفاريز و مارسال» للتدقيق الجنائي في حسابات مصرف لبنان ومؤسسات الدولة باعتبار ذلك احد شروط الصندوق لمنح لبنان قروض ميسّرة.
هذا يعني إننا أمام عودة مجدّداً إلى صيغة التسوية الداخلية المدعومة من الخارج، بعدما تبيّن للأميركي ان موازين القوى لا تسمح له بإمكانية الانقلاب على التسوية، وفرض حكومة اللون الواحد…
على انّ عودة التسليم بهذه التسوية السياسية، لم يكن من دون خسائر اقتصادية جسيمة مُني بها الاقتصاد اللبناني وانعكست سلباً على قيمة الليرة اللبنانية، وأدّت الى تدهور مستوى معيشة اللبنانيين.. وجعلهم يعانون من الإذلال للحصول على أبسط احتياجاتهم اليومية…
لكن السؤال الذي يطرح اليوم، هو :
ماذا عن برنامج الحكومة الاقتصادي؟
هل سيحتدم الخلاف داخل الحكومة حول ماهية الإصلاح الاقتصادي؟
ام أننا سنكون أمام اتفاق على ما يمكن الاتفاق عليه، وتأجيل البنود الخلافية في هذه المرحلة التي لا تحتمل صراعاً، وتفرض أولويات الحدّ من الانهيار والأزمات وإيجاد حلول عاجلة لها لا سيما حلّ معضلة الكهرباء التي تستنزف الدولة والمواطنين والاقتصاد في آن معاً…
اولاً، أهمية إعطاء دفع للتدقيق الجنائي، بحيث يأخذ مداه لتحديد المسؤوليات عن الإفلاس المالي والفساد المالي، وبالتالي تحديد الخسائر وتوزيعها بحيث يتم استرداد حقوق الدولة المنهوبة، وتحميل الأكثر غنى والذين استفادوا من الهندسات المالية والفوائد المرتفعة على سندات الخزينة الجزء الأكبر من أعباء معالجة الأزمة المالية.. وهذا بالضرورة يفترض إجراء عملية هيركات، وسنّ قانون ضريبي تصاعدي يطال أصحاب الثروات.. كما هو متبع حتى في الدول الغربية الرأسمالية…
ثانيا، اتخاذ قرار سريع بتلزيم إقامة معامل الكهرباء لشركات خارجية او دولة وفق نظام الـ BOT على أساس العرض الأفضل للبنان.. الأمر يضع حداً للنزف المالي الذي عانت منه خزينة الدولة، ويعيد تكوين عائداتها الضريبية ويخفف العبء عن المواطن الذي يتحمّل دفع فاتورتين للكهرباء.
ثالثاً، اتخاذ قرار عاجل بتلزيم إعادة ترميم وبناء مصاف النفط لاستيراد النفط من دولة لدولة وتكرير النفط في هذه المصافي مما يؤمّن مداخيل هامة للدولة كانت تذهب للشركات.. وبناء خزانات للاحتياط الإلزامي من المشتقات النفطية لتجنيب البلاد الوقوع بالأزمات كتلك التي حصلت اخيرا..
وفي هذا المجال هناك عروض روسية وفق نظام الـ bot
رابعاً، تلزيم إعادة بناء مرفأ بيروت وإهراءات القمح…
خامساً، إقامة مترو إنفاق وسكك للحديد وفق نظام الـ BOT وهي من ضمن مشاريع عرضت الصين إقامتها وتربط لبنان بطريق الحرير وتسهم بتنشيط حركة الاقتصاد وانتقال البضائع بأقل التكاليف…
سادساً، إعادة العمل بالتنقيب عن الغاز في مياه لبنان الإقليمية واستخراجه، لا سيما أنّ التقارير الجيولوجية الأخيرة أكدت وجود كميات كبيرة من الثروة الغازية.
انّ الإسراع في تلزيم مثل هذه المشاريع لا يجب أن يتأخر لأنها لا تكلف الدولة أية أعباء مالية، في حين انَ البدء بها الآن متوافر بسبب العروض المقدمة من الدول، وبالإمكان تنويع مشاركة الدول في إقامتها لخلق توازن في علاقات لبنان الاقتصادية مع دول العالم…
كما أنه من الممكن العمل على هذه الورشة بالتوازي مع ورشة الإصلاح المالي وإيجاد الحلول لأزمات المواطنين الحياتية، وتنشيط حركة الاقتصاد بإعادة تفعيل اتفاقيات التعاون الاقتصادي مع الدول العربية بدءاً بالشقيقة سورية…
المهمّ توافر الإرادة السياسية لدى الحكومة في اتخاذ القرارات التي تحقق مصلحة لبنان لإخراجه من الأزمات…