بوتيرة سريعة، وربما "قياسية"، تسير حكومة ​نجيب ميقاتي​ الثالثة، التي أطلقت على نفسها اسم "حكومة الأمل والعمل"، بين "الألغام" التي تواجهها من كلّ حدب وصوب، و"التحديات" التي تنتظرها، ويصحّ وصفها بـ"الثقيلة" نظرًا لطبيعة الوضع "الاستثنائي" الذي تعيشه البلاد في هذه المرحلة، بعد زهاء 13 شهرًا من "الفراغ"، في ظلّ حكومة تصريف الأعمال.

ولعلّ المقاربة التي اعتمدتها الحكومة مع ​البيان الوزاري​ تدلّ على ذلك، في ظلّ السعي لإقراره بصيغته النهائية في اليومين المقبلين، تحضيرًا للمثول أمام البرلمان وطلب ثقته مطلع الأسبوع المقبل، لتتمكّن بعد ذلك من الانطلاق رسميًا في تأدية مهامها الصعبة والمعقّدة، متسلّحة بـ"مهلة سماح" أعاد وزير إعلامها التذكير بها في أول تصريحاته الرسميّة.
واستباقًا للحديث، بدأ التكهّن بسيناريوهات "جلسة الثقة" الموعودة، وما يمكن أن تحمله من "مفاجآت"، وإن كان الرأي السائد أنّ الثقة "مضمونة" سلفًا، ولا نقاش في ذلك على الإطلاق. لكن، ماذا عن موقف "​التيار الوطني الحر​" الذي لوّح سابقًا بحجب الثقة عن حكومة كان "شريكًا" بإنجازها؟ وماذا عن موقف "المستقبل" الذي قيل إنّه "الخاسر الأكبر" من ​تشكيل الحكومة​؟.
بداية، ما هو ثابت وأكيد هو أنّ "الثقة" مضمونة سلفًا للحكومة بكامل أعضائها وتركيبتها، وأنّ لا أحد من الأفرقاء السياسيّين، حتى إن كان بينهم من سيحجب الثقة عن الحكومة، لا يريد أن تنطلق الأخيرة إلى العمل، طالما أنّ البلاد في وضع لا تُحسَد عليه، ومجرّد وجود حكومة، أيًا كان شكلها، يبقى أفضل من استمرار حالة الفراغ المؤسساتي المريرة.
وتستند هذه "القناعة" إلى سلسلة مقوّمات وثوابت، أولها معطيات تاريخية، إذ لم يسبق لأيّ حكومة في مرحلة ما بعد الطائف أن طلبت ثقة البرلمان ولم تحصل عليها، والسبب في ذلك بسيط ومنطقيّ، وهو أنّ هذه الحكومات كانت بمعظمها "نسخًا منقّحة" عن البرلمانات التي يفترض أن تعرّضها للمساءلة والمحاسبة، أو بالحدّ الأدنى عن أكثرية مكوّناتها.
ولعلّ هذه "القاعدة" تسري على الحكومة الحالية، بعيدًا عن عنوان "حكومة الاختصاصيّين" الذي قد يكون مضلّلاً في بعض جوانبه، إذ إنّ القاصي والداني يدركان أنّ الأحزاب السياسية هي التي سمّت الوزراء، وإن كانوا بصورة عامة من غير الحزبيين، وربما "المستقلّين"، وبالتالي فإنّ هذه الأحزاب ستكون "حريصة" على منح الحكومة، التي تعتبر نفسها جزءًا منها، الثقة.
لكن، رغم ذلك، ثمّة من يسأل: هل تحصل الحكومة على ثقة جميع هذه الأحزاب، أم يعمد البعض إلى اتخاذ مواقف مغايرة، إذا ما شعر أنّ الثقة "مضمونة"، من باب "الشعبويّة" ربما، وتسجيل المواقف، أو بما يتيح له "الاستهلاك" الإعلامي والسياسيّ، خصوصًا على أعتاب انتخابات نيابية بدأت حساباتها تطغى عمليًا على كلّ الاستحقاقات والملفات؟.
في هذا السياق، ثمّة من يسأل عن موقف "التيار الوطني الحر" تحديدًا، بعدما لوّح العديد من قياديّيه برغبته "حجب الثقة" عن الحكومة، منذ مرحلة تكليف رئيس الحكومة السابق ​سعد الحريري​، وهو شكّل "عقدة جوهريّة" على خطّ التأليف، والذين أصرّوا، حتى بعد تأليف الحكومة بما يرضيهم ويناسبهم، على القول إنّ منح الثقة من عدمه لا يزال "قيد النقاش".
ولعلّ بيان تكتّل "لبنان القوي" الأخير كان واضحًا في هذا الإطار، حيث نصّ على أنّ "منح الثقة للحكومة مرتبط بما سيتضمنه بيانها الوزاري"، ما يوحي بأنّ "التيار" يحيّد نفسه عن برنامج الحكومة، التي كان شريكًا في إنجازها، أو ربما يحاول "تبرير" غياب بعض العناوين الخلافيّة التي سبق أن طرحها بصفتها "ثوابت" في معاركه السياسيّة، وبينها مسألة الإقالات الشهيرة.
لكنّ "التيار" بموقفه هذا يُتَّهَم بسلوك مبدأ "الشعبوية"، إذ إنّ لا منطق يمكن أن يبرّر تغريده عكس تيّار حكومةٍ يعوّل عليها "العهد" نفسه لتعويض "إخفاقات" السنوات الماضية، فضلاً عن كونه حجب "التيار" الثقة عنها بمثابة "إهانة" ل​رئيس الجمهورية​ نفسه، وهو الذي سيصوَّر بهذه الحالة وكأنّه منح توقيعه لحكومةٍ لا تلبّي تطلّعات الفريق السياسيّ المحسوب عليه.
وفي وقتٍ يُعتقَد أنّ حديث "التيار" سيبقى محصورًا بوظيفة "الاستهلاك الإعلامي"، خصوصًا أنّ مقرّبين من رئيس الحكومة يكادون يجزمون أنّ الأخير تلقى "ضمانات" من رئيس الجمهورية بأنّ "التيار" سيمنح ثقته للحكومة، حتى قبل صدور مراسيم تأليفها، ثمّة من يسأل عن موقف "​تيار المستقبل​" في المقابل، العالق بين "دعمه" المفترض لميقاتي و"معارضته" المطلقة للعهد.
يقول بعض الدائرين في فلك التيار "الأزرق" إنّ النقاش بهذا الشأن لم يُحسَم بعد، وإن كان الاعتقاد الغالب يميل نحو منح الحكومة الثقة للكثير من الأسباب والاعتبارات، أولها وجوب "دحض" الأخبار المتداولة عن "خسائر" تكبدها تيّار المستقبل من التشكيلة الحكومية، وظهور رئيسه بمظهر "الخاسر" أمام ميقاتي، الذي نجح في تحقيق ما عجز عنه الحريري.
ولعلّ من الاعتبارات التي تدفع "المستقبل" إلى منح الحكومة الثقة، بمُعزل عن برنامجها الوزاري، سعيه إلى التأكيد على استمرار "التنسيق" مع ميقاتي في إطار "نادي رؤساء الحكومات السابقين"، وبالتالي عدم إخراج نفسه من المعادلة السياسية، فضلاً عن حرصه على "ديمومة" العلاقة مع رئيس البرلمان ​نبيه بري​، الذي يريد "إنجاح" الحكومة.
يبقى عامل "النكايات" الذي لا يستبعد كثيرون أن يطرأ على المشهد قبيل جلسة الثقة، إذ "يهمس" البعض أنّ الحريري وباسيل لا يريدان أن يظهرا "على موقف واحد"، ما يعني أنّه إذا صوّت أحدهما على منح الثقة، لا بدّ للثاني أن يحجبها، ليؤكد "التناقض التام" في الرؤية، إلا أنّ هذه "الفرضية" إن صحّت، فهي لا تدلّ إلا على "عقليّة" لا تزال تغلّب "الشخصانية" على كل شيء.
ستحصل الحكومة على الثقة، وسينتهي النقاش، "السطحيّ" ربما، حول من سيمنحها الثقة ومن سيحجبها عنها. في كلّ الأحوال، ينظر الجميع إلى الحكومة على أنّها "صناعة" الطبقة السياسية برمتها، ولن يكفي "حجب شكليّ" للثقة عنها من هذا الفريق أو ذاك، في تغيير هذا الانطباع، الذي يفترض "عقلية" مختلفة في التعامل بدءًا من اليوم!.