مع وُصول طلائع صهاريج المَحروقات الإيرانيّة برًا من ​سوريا​ إلى ​لبنان​، إنقسم الشارع اللبناني كالعادة في تقييمه للحدث، بين رافض لغرق لبنان أكثر فأكثر في المحور الإيراني، وبين مُؤيّد لفكّ الحصار عن لبنان بالقُوّة، ولكل خُطوة يقوم بها "​حزب الله​" ومن خلفه إيران! فما هي النتائج المُترتّبة على ذلك؟

لا شكّ أنّ لبنان تحوّل في السنوات الماضية إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليميّة والدَوليّة بين أكثر من طرف وأكثر من محور. وعلى الرغم من أنّ عمليّات شدّ الحبال القائمة لم تأخذ الطابع العسكري والأمني، كما يحدث في كثير من الأحيان، فإنّ الصراع الإقتصادي والمالي كان شديدًا إلى درجة أنّه ألحق ضررًا مُباشرًا وجسيمًا بأغلبيّة واسعة من الشعب اللبناني. وإذا كان صحيحًا أنّ الإنهيار الذي حصل في لبنان هو وليدة سياسات إقتصاديّة وماليّة ومصرفيّة غير مُوفّقة، ووليدة صفقات وسمسرات وسرقات مُنظّمة حصلت على أوسع نطاق على مدى ثلاثة عُقود، ووليدة هدر موصوف وسوء إدارة وقُصر نظر إلى أبعد الحُدود... فإنّ الأصحّ أنّ هذا الإنهيار يعود في جزء منه إلى عدم مد يد المُساعدة إلى لبنان في محنته، لا من قبل الدُول العربيّة ولا من قبل الدُول الغربيّة، الأمر الذي يعتبره البعض نتيحة طبيعيّة للحصار الذي تفرضه واشنطن على لبنان، في مُقابل إعتباره من قبل البعض الآخر نتيجة طبيعيّة لجرّ لبنان إلى قلب المحور الإيراني المُعادي لكثير من الدول العربيّة والخليجيّة ولعدد من الدول الغربيّة.
وفي كل الأحوال، إنّ ما تمّ منحه للبنان من مُساعدات بين الحين والآخر كان مَحدودًا جدًا، وهو يكاد لا يكفي سوى لأكثر من "ترقيع" بعد الثغرات هنا أو هناك– إذا جاز التعبير. وهذا الأمر ينطبق على مُساعدة صُندوق النقد الدُولي الأحدث، والتي تبلغ 1,135 مليار دولار أميركي، في ظلّ مُطالبات واسعة بأن يتمّ توظيف هذه الأموال بشكل مدروس بدقّة وبعناية في الأسابيع والأشهر المُقبلة. وحتى المبالغ المَوعودة في المُستقبل القريب، في حال نجاح المُفاوضات المُرتقبة بين السُلطة التنفيذيّة الجديدة في لبنان من جهة، ومُمثّلي صُندوق النقد الدَولي من جهة أخرى، فهي يُمكن أن تؤثّر إيجابًا بشكل نسبي على الوضع الداخلي اللبناني، لكنّها لن تُمثّل أيّ حُلول مُستدامة، في حال بقي لبنان عرضة لشدّ الحبال يمينًا ويسارًا.
وبالنسبة إلى مسألة صهاريج المَحروقات التي إنتقلت برًا من سوريا إلى لبنان، بعد أن كانت قد نُقلت بحرًا من إيران إلى سوريا، فهي أعادت فتح الجدل القديم بشأن تحوّل "حزب الله" إلى دُويلة داخل الدولة اللبنانيّة، بقُدرات عسكريّة وأمنيّة ولوجستيّة على مُستوى إقليمي واسع. وهناكمن يعتبر ما حصلويحصل قفزًا فوق كل القوانين اللبنانيّة، وتجاوزًا غير مُسبوق لسُلطة الدولة والأجهزة الرسميّة فيها، وإغراقًا للبنان أكثر فأكثر في وحل المحور الإيراني الذي يخوض مُواجهة شرسة ومفتوحة مع أميركا والدول الحليفة لها في المنطقة، مع ما يستتبع ذلك من عُقوبات ومن إرتدادات سلبيّة. في المُقابل، هناك من يعتبر ما حصلويحصل تأكيدًا إضافيًا من جانب "محور المُقاومة" على القُدرة على مُواجهة كل التحدّيات، وعلى الجُهوزيّة للعمل على تجاوز كل الصُعوبات، وعلى عدم التردّد في ردّ الصاع صاعين لواشنطن!
وبغضّ النظر عن هذا الرأي وذاك، لا شكّ أنّ هذا الوضع الشاذ وغير الطبيعي في ما خصّ قطاع المَحروقات في لبنان،لن يحلّ أزمة المَحروقات، حيث أنّه قد يُخفّف من حدّة هذه الأزمة بشكل نسبي ولفترة زمنيّة مُحدودة لا أكثر، في إنتظار رفع الدعم كليًا. والخطير أنّ الخلفيّة الفعليّة للمُساعدة النفطيّة الإيرانيّة التي وصلت إلى لبنان، عبر حليفها الأساسي في المنطقة "حزب الله"، هو توجيه رسائل حازمة إلى الإدارة الأميركيّة، أنّ كل الضُغوط والمُحاولات لإخضاع إيران، والقوى الحليفة لها في المنطقة، ستفشل. وحتى مُحاولة الإلتفاف الأميركي على القرار الإيراني بمدّ لبنان بالمحروقات، والذي قضى بالسماح للحُكومة اللبنانيّة بالتواصل مع السُلطات السُوريّة المَعنيّة، بهدف إستيراد الغاز المصري عن طريق خط الغاز العربي الذي يمرّ في سوريا، واجهه "محور المُقاومة" بإستغلال الخُطوة لتأمين رفع جزء من العُقوبات المَفروضة على سوريا عبر ما يُسمّى "قانون قيصر"، ولتأمين حُصول سوريا على جزء من شُحنات الغاز المُستورد، الأمر الذي يؤكّد أنّ كل هذه الخطوات الميدانيّة تدخل في سياق تبادل الرسائل ولعبة خلط الأوراق في المنطقة، على نار حامية حينًا وعلى نار خفيفة حينًا آخر.
في الختام، من الواضح أنّ لبنان يعيش حاليًا مرحلة إنتقاليّة مُرشّحة لأن تطول إلى ما بعد إتمام الإستحقاقات الإنتخابيّة المُرتقبة في ربيع وخريف العام 2022 المُقبل. وبعد ذلك، وتبعًا لنتائج هذه الإنتخابات، وتبعًا للتركيبة السياسيّة الجديدة التي ستصل إلى السلطة، يُمكن تحديد طبيعة المرحلة المُقبلة، لا سيّما إذا كانت ستكون إمتدادًا للمرحلة الحاليّة، لجهة إستمرار الصراع الحاد القائم، أم ستكون بداية لتسوية كبرى، خاصة وأنّه حتى ذلك الحين سيتضح واقع المنطقة ككلّ، مع كل الإتصالات القائمة، أكان تحت الطاولة أم من فوقها.