ورد في الكتاب المقدّس: "من أرادَ أن يكونَ فيكم عظيماً، فليكن لكم خادماً"(مرقس 10: 43).

لو قُدّر لي أن أقدّم النصح للحكومة الجديدة، لدعوت وزراءها أولاً إلى التواضع، "فَمَنْ يَرْفَعْ نَفْسَهُ يَتَّضِعْ، وَمَنْ يَضَعْ نَفْسَهُ يَرْتَفِعْ"(متى 23: 12). التواضع يجعلكم أقرب إلى هموم الناس ومشاكلهم ومصائبهم، وإلى الآلام التي يعيشونها يوميًا. كما أن التواضع يؤهّلكم لمعرفة أخطائكم وضعفكم، وبالتالي تنصتون للنصح والإنتقادات البنّاءة. فللتواضع آفاق كثيرة تجعل من الإنسان، أقرب إلى كلمة الله، لأن كلمته محيية. التواضع معراجكم إلى النجاح، بالحدّ الأدنى، فالمصائب المتراكمة منذ سنوات، لا يمكن أن تُحلّ بين ليلة وضحاها، إنما أقلّه يمكنكم أن تنظّموا النتائج السلبية المتراكمة، واسترجاع حقوق المودعين المنهوبة، وإعادة الثقة بالدولة المبنيّة على نظام أعوج طائفي، مع محاصصة مليئة بالخلل، وتضعوا خريطة طريق للإنقاذ، إذا كانت النيّة معقودة على الخير.
فتواضعكم يجعلكم أقرب إلى ما آلت إليه أوضاع الناس التعيسة، نتيجة أخطاء، التي ارتكبها، مَن ولّاكم علينا وزراء. لذا تستطيعون التغيير، والإنتفاضة على أولياء أمركم، وبالتالي تصنعون الفرق. فمقولة الوزير المحايد في بلد كلبنان، لا يبلعها حتى الأولاد الصغار، ولكن استقلاليتكم وحيادكم، الذين تجاهرون به في المَلَأ، تترجمونه بأعمالكم، وبالجرأة على الإستقالة، اذا كنتم مسيّرين، ولستم بمخيّرين. فالسلطة لا تدوم، أما حكم ​التاريخ​ فسيرافقكم إلى أبد الآبدين.
إذًا التواضع بابُ من أبواب النجاح، في زمن لم يعد اللبناني يؤمن بالغد، علمًا أن المؤمن لا يُلدغ من الحيّة مرتين.
نجاحكم، إذا كُتب له أن يحصل، يتوقف أيضًا على الصدق والمصداقية، وليس على العراضات الإعلامية. فاللبناني تستهويه السلطة وتغرّه، كما أنّ العمل الميداني كفيل بمتابعتكم الحثيثة للأمور. فالجلوس وراء المكاتب طوال الوقت والإستعلاء، لا ينفع ولا يُنتج. التقشّف قد يفيدكم بمكان ما، وبذلك تكونون قدوة للموظفين وللمواطنين. كما أنّ الظهور الإعلامي، والتصريحات الكثيرة والطنّانة، المصحوبة بوعود فضفاضة، لا تجدي نفعًا، فلا تكونوا وزراءshow-off.
يقول بولس الرسول في رسالته الأولى إلى تيموثاوس: "لاَحِظْ نَفْسَكَ وَالتَّعْلِيمَ وَدَاوِمْ عَلَى ذلِكَ، لأَنَّكَ إِذَا فَعَلْتَ هذَا، تُخَلِّصُ نَفْسَكَ وَالَّذِينَ يَسْمَعُونَكَ أَيْضًا"(1 تيموثاوس 4: 16).
الوزارة والمناصب ليست للكرامة والوجاهة، إنما لتحّمل المسؤولية أمام الله والناس. بالإتّضاع والبحث الدائم عن الحقائق، وإيجاد الحلول الناجعة، تنالون ثقة المواطنين، وتنالون رضى الله.
لا تماطلوا، ولا تتلكأوا في إيجاد الحلول السريعة للأزمة المعيشية المستفحلة، ولا تنغمسوا في الصفقات المشبوهة، على غرار كثيرين في هذا البلد، علّكم تنالون ثوابًا عند ربّ العالمين.
الوقت ليس للترف، حان وقت العمل، حان وقت النهوض، وحان وقت الإستحقاق المصيري. الوقت وقت الإصلاح والمحاسبة، إذا كنتم أهلًا لذلك، فلبنان وأهله ينادونكم، نداء الإستغاثة من أعماق البحار، حيث الغرق سيّد الأحكام، وهجرة الأدمغة والمثقّفين، ولا سيما الشباب، السمة البارزة في بلدنا.
لبنان، بشرًا وحجرًا، ينادونكم، فلبّوا النداء، وحكّموا ضمائركم، وشرّعوا أبواب مكاتبكم للمواطنين، ولا تصدّوا المحتاجين والمعوزين والمقهورين والمقموعين، وأصحاب الحقوق، لأنهم سادتنا ونحن معكم خدامٌ لهم، عندها سنصفّق لكم ونشكركم، ونمدح الساعة التي فيها استلمتم زمام الأمور، بدلًا من أن نلعنها.
نصيحتي الأخوية، لا تتّطرفوا مذهبيًا وطائفيًا، ولا تنحازوا لمرجعيات وأحزاب وأجندات. إعدلوا بين الناس والمناطق والأحياء.
وأنت يا معالي وزير العدل، بما نعرفه عنك من أخلاق ونبل ومنطق وإرادة، دماء شهداء المرفأ تناديك، وقضايا عادلة وعالقة في دهاليز العدلية، تستنجدك، وتصرخ إليك، وتنادي بالعدل، فلبّي النداء، واستمع لصوت الموجوعين والمظلومين، ولصوت المسجونين ظلمًا، ولا تخف إلا من إلهك، حتى ينال الناسُ بعضًا من عدالة الأرض، قبل عدالة السماء. وتذكّر دائمًا أن العدل أساس الملك، فمن عندك يبدأ الإصلاح، اذا أخذت العدالة مجراها، دون تدخّلات ومن دون ضغوطات، فأنت حامي هيكل العدليّة، فثبّته على الصخرة المتينة، فلا يتزعزع ولا يتهدم، وهكذا نستطيع أن نفكّر يومًا باسترجاع الثقة بوطننا والمسؤولين.
أيها السادة ​الوزراء​، فرصتكم اليوم لدخول التاريخ، بأعمال شجاعة ووثبات مشرقة، فانصتوا إلى صوت الضمير، حتى لا تخرجوا من جغرافيا ​الوطن​.