لا يُحسد رئيس الحكومة ​نجيب ميقاتي​ على مهمته التي يتولاها حالياً كرئيس لمجلس الوزراء في بلد منكوب. هو تسلّم حكومة خالية من أي دسم، لا سياسي ولا إقتصادي ولا شعبي. كان سلفه رئيس الحكومة السابق حسّان دياب فشل في تحمّل المسؤولية، فزاد من حجم الأعباء التي صارت ملقاة على عاتق الحكومة الحالية، مما فرض على ميقاتي مسؤولية أكبر في وجوب إعادة الروح لمؤسسة مجلس الوزراء ووضع حدٍ للإنهيار الإقتصادي الذي عرفه لبنان في السنوات القليلة الماضية.

يعرف اللبنانيون ان مهمة حكومة ميقاتي ستكون صعبة جدّاً، لكن المواطنين لن يقصرّوا في انتقادها في حال لم تنجح خلال الفترة القليلة المقبلة. لا يُمكن هنا وضع إطار زمني، لا شهرين ولا مئة يوم، لأن تحديد مؤشرات النجاح أو الفشل تظهر من خلال طبيعة الإنطلاقة التي هي في مساحة الرصد الداخلي والخارجي.
ماذا يريد ميقاتي؟ الزعامة السياسية أم الإنقاذ؟.
عندما أطلق شعار "معاً للإنقاذ" عنواناً لحكومته، بدا أن ميقاتي عازم على تحقيق رؤية إنقاذية. يعرف رئيس الحكومة أن نجاحه في الحد من الإنهيار اللبناني سيُتَوِجُه زعيماً ليس على مساحة الشمال فحسب، ولا في الوسط الاسلامي السنّي فقط، بل سيكون زعيماً سياسياً وطنياً كامل المواصفات، مما يعني أنه في فترة إمتحان تاريخي.
يبدأ رئيس الحكومة محطته الحكومية الثالثة بنقاط تخوّله أن يحقق إنجازات وطنية:
-لمجرد المقارنة بينه وبين سلفه سيكسب ميقاتي.
-تشبه أوضاع لبنان حالياً الصحراء القاحلة، فإذا إستطاعت الحكومة تحقيق أي خطوة ايجابية ستكون تلك الانتاجية كالنبتة الخضراء أو الوردة البيضاء التي تظهر في تلك الصحراء، فكيف إذا أوجدت الحكومة واحة؟.
-ان اعادة الحياة الى خطوط التيار الكهربائي على مدى ١٢ ساعة يومياً مثلاً، سيعني ان العمل الحكومي جيد مُنتج، فكيف اذا نجح ميقاتي في تنفيذ رغبته لتأمين الكهرباء من خلال معامل انتاج طاقة لبنانية عبر دور كويتي منشود.
-لمجرد نجاح الحكومة في تأمين أسواق خارجية مقبولة للإنتاجات الزراعية والصناعية يعني ان الاقتصاد اللبناني يسلك طريق المعافاة الطويل، وهو ما يطمح ميقاتي لتحقيقه عبر زيارات الى عواصم خارجية وتواصل دولي مفتوح.
-يستطيع رئيس الحكومة، المحنّك إقتصادياً، وصاحب العلاقات الخارجية الموثوق بها مع العواصم ان يعيد الدم الى شرايين التواصل اللبناني مع الغرب والشرق، بعد ان قطعه رئيس الحكومة السابق، فساهم عجز حسان دياب أيضاً في ترسيخ لبنان في خانة النسيان الدولي.
-ان تنفيذ لبنان اجراءات مالية في التحقيق والتدقيق الكامل الشامل لكل مؤسسات الدولة، سيعني الا مكان للهدر بعد اليوم، وهو ما التزمت به الحكومة الحالية وباشرت بتوقيع بنوده مع شركات دولية، رغم أن حصد النتائج يحتاج لوقت أطول من عمر حكومة ميقاتي.
كل ذلك يدلّ على ان رئيس الحكومة يمضي قدماً في درب الانقاذ، لكن الطريق وعرٌ مليئٌ بالمطبّات قبل الخروج من الهاوية. خصوصاً ان هناك مزايدات سياسية ستحاول ان توظّف الألم الشعبي في عرقلة الرحلة الحكومية.
يفرض ذلك على ميقاتي ان يصارح اللبنانيين: ماذا يريد؟ وماذا سيحقق؟ ان التواصل بين رئيس الحكومة والشعب اللبناني مطلوب في كل محطة وعند كل قرار، لأن ما سيفرضه صندوق النقد الدولي في اجندة "الإنقاذ" يستند الى الضرائب واجراءات تتطلّب شفافية القول والفعل، وتبيان الجدوى. هناك من سيخرج غداً للتنصل من أي مسؤولية سياسية بشأن القرارات الحكومية، ويترك رئيس مجلس الوزراء وحده أمام المواطنين، على ابواب الانتخابات النيابية.
ان إنطلاقة الحكومة في اسبوعها الأول توحي بقدرات رئيسها المتماسك رغم نتعات بعض وزرائه الذين فقدوا الهيبة الحكومية المطلوبة. بينما تأتي اطلالات ميقاتي مدروسة موزونة تعيد الوهج لرئاسة الحكومة، وتهدف لإستعادة الثقة بالبلد. واذا مضى ميقاتي في مساره، يستطيع ان يفرض مشروع انقاذ فيرسّخ نفسه زعيماً. فلننتظر، لا نستطيع ان نحكم حالياً.