سِقت إليكم في الآونة الأخيرة، قصّة الأمير والمأمور في ​البلاد​ البعيدة؛ وكيف أن الأمير استبدّ بمأموره وساقه إلى المحاكمة عن غير وجه حقّ، وكيف عزله، وأسقطه من موقعه، ونال من صيته، وصيت عائلته، وحطّ من شخصه أمام الرأي العامّ، وكيف مارس ضغوطاً على القاضي ليستميل الحكم لصالحه، وكيف حكم القاضي ببراءة المأمور، وكيف ربّح المأمور الدعوى المُقامة عليه من الأمير! ربّما تذكرون هذه الواقعة التي ليست من نسج ​الخيال​ كما أسلَفت، وإنّما هي قصّة لا زالت أحداثها جارية إلى الآن في البلاد البعيدة: أميرٌ مُستبِدّ، ومأمورٌ مُستَبَدُّ به!.

ولمزيد من الإبانة، فقد جُنَّ جنون الأمير عند صدور الحكم ببراءة المأمور، هو الذي توقّع أن يخضع الجميع لإملاءاته، كحاشيته المُستميته ل​كسب​ رضاه، علّه يُكرمها بمكرمة! فاجتمع وحاشيته، وعرض عليها فضيلته ورذيلة المأمور، فأسمعته الحاشية بحسب حُكاك آذانه، وأُقرَّ الرأي بإجماع المنبطحين، والمتملّقين والمُتذلّلين، بالطّعن بالحكم أمام ​محكمة​ أمير الأمراء، علّه يحكم على المأمور بحسب رغبة الأمير!.
وهنا بالذات تكشّفت النوايا! لَم يكن همّ الأمير الحاكم باسم الله على الشّعب، استبيان الحقيقة فيما خصّ المأمور، و​تحقيق​ العدالة! واتضح أيضاً أن محاكمة المأمور لَم تكن يوماً مسألة حقيقة وعدالة، وإنما مسألة كيدية مُختبئة في ثوب الحقيقة والعدالة، يُريد من خلالها الأمير أن يتخلّص من المأمور بأيّ ثمنٍ كان، كونه لم يعُد مرغوباً به في إمارته "المقدسة"! وفي أسوأ الأحوال، أن يستغلّ عامل الوقت ليُبقي المأمور المُغرّر به بعيداً عن ناظريه، وأنظار الرعية. ولربّما يُراهن الأمير على فقدان صبر المأمور فيتنحى من تلقاء نفسه، تاركاً الإمارة "المقدّسة" للأمير المتألّه، "فيُريح ويرتاح"، وهذا ما لن يحصل!.
الكَيد في القاموس هو "إرادة مَضَرَّةِ الغَيرِ خِفْيَةً". والكيديّة في القاموس أيضاً، هي "الحِيلَةُ السَّيِّئة، والتحايل خِفيةً"، التي يلجأُ إليهما شخص ما لينقضّ على شخصٍ آخر بسلاسة، وبابتسامة عريضة يُخبّىء وراءها أنياب ذئب! والأمراء الحاكمون باسم الله كيديّون بنسبة كبيرة منهم! وإن كنتم لا تُصدِّقون، إسألوا الرعية تقول لكم! ما الذي تقوله لكم؟ تقول لكم: "حدا بقلّك، كيد الأمراء"!.
والمفارقة أنّ هذا الأمير يتجلبب بجِلباب الفضيلة في إمارته، ويحمل تاجه المُزيّن على رأسه المُتغطرس، ونياشينه البرّاقة على صدره المنتفخ، ويشُدّ بطنه المحشو بالتبن الفاخر بلفائف تمنع كرشه من الإندلاق والإنزلاق، ويتّكىء على عصا الأوهام، ويُزيّن لسانه بآيات بيّنات؛ ففي كلِّ إطلالة للأمير المتألّه، يتحدث عن شِيمَة ​المحبة​، ويستعمل العديد من مفردات الفضيلة المستلّة من كتاب الله!.
يَحكم الأمير باسم "الله"، ويَحكم على المأمور باسم "الله" أيضاً! وعن عمدٍ وضعت اسم الله، بين مُقفّعين، لأنبّه الأمير إلى أنّ الله الذي يَحكُم باسمه، لا شأن له بالله الحقّ الذي تليق به العبادة! ولأقول للمأمور أن ما يُنزل به من ظلم، الله الحقّ براء منه! لذا فلينتبه الأمير إلى أن لكلّ ظالم نهاية، وليطمئنّ المأمور إلى أن لكلّ ظُلمٍ نهاية!.
ومع الأيام ستتكشّف الحقيقة، يوم تُسمى الأسماء باسمائها، لتُنزع عن الأمير المتألِّه صفة الألوهة، وعن المأمور المظلوم جور الظّلم!.