اشارت صحيفة "الغارديان" البريطانية الى إن التحالف الدفاعي الأميركي- البريطاني- الأسترالي (أوكاس) هو حنين متهور في مرحلة ما بعد الإمبريالية. ولفتت الى أن الاتفاقية أصبحت مع مرور الأيام أكثر ضبابية، فهي نتاج خلاف صناعي حول من له الحق في بناء الغواصات للجيش الأسترالي.

وطلبت أستراليا الغواصات التي تعمل على البنزين من فرنسا في صفقة بـ48 مليار جنيه استرليني، ثم غيرت من موقفها وتخلت عن الصفقة. وهي تريد الآن غواصات تعمل على الطاقة النووية من الولايات المتحدة وبريطانيا.

ولفتت الى أن الغواصات المزودة بالفرق أصبحت في حكم الزائلة وعديمة الفائدة في عصر المحيطات "الشفافة" والمسيّرات بدون قيادة تحت الماء. ومثل الدبابات، فهي مكلفة جدا، وغير فعالة وتريد خوض حروب تقليدية عفا عليها الزمن. لكن العقود الدفاعية تحمل قيمة سياسية وتجارية تتجاوز منفعتها. فلو كانت أستراليا تعتقد أن الصين هي في الحقيقة تهديد، فعليها أن تحضر أسلحة فعالة. لكن العقد الدفاعي حول هذه المعدات تطور ليصبح تحالفا عسكريا في منطقة آسيا- الباسيفيك.

واوضح مستشار رئيس الوزراء بوريس جونسون للشؤون الدفاعية، ستيفن لافغروف، إن التحالف يعبر عن "تحول استراتيجي عميق". ولو كان مقر رئيس الوزراء البريطاني جاهلا، فالقصد من هذا التحالف هو إغضاب واستفزاز الصين وإهانة فرنسا، وهو ما حدث.

ويصر جونسون على أنه "ليس عدائيا" تجاه الصين، ولكن عندما سألت تيريزا ماي إن كانت تتصور حربا من أجل تايوان، كان جوابها لا وأن "المملكة المتحدة ملتزمة بالدفاع عن القانون الدولي وأننا سنقدم نصيحة قوية لحكومة بكين". ولو كان جونسون يتلاعب بالكلمات، فالواقع يقول غير ذلك، ففي تموز، أرسل حاملة طائرات إلى بحر الصين الجنوبي مما دفع بكين لتحذيره. ويبدو هذا العمل مثل فأر يحاول الزئير وكأن الأموال العامة لم تعد كافية لإرضاء غرور جونسون.

وذكرت الصحيفة البريطانية أن التصريحات التي تطلق من أجل التأثير السياسي مثل التحالفات المفاجئة والازدراء لها عواقب. فالمصالح الغربية التي ولدت أثناء الحرب الباردة رفضت منح الناتو فرصة لإعادة تعريفها في فترة التسعينات بعد انهيار الاتحاد السوفييتي. وكان هذا السبب الذي جعل بريطانيا تتورط في أفغانستان والعراق بذريعة حماية الولايات المتحدة من الإرهاب الجديد.
وحذرت من أن الخطاب المتشدد و"الدق على الصدور" تعاليا، هو ما غذى الحرب العالمية الأولى في البداية. ولا يوجد هناك أي سبب يدفع بريطانيا لتبني موقف عدواني في منطقة الباسيفيك، وكل هذا حنين غامض لما بعد الإمبريالية. ولو كانت الولايات المتحدة مجنونة بالقدر الذي يجعلها تعود للحرب في جنوب- شرق آسيا من أجل تايوان، فهذا لا علاقة له ببريطانيا كما كانت فيتنام.

وفرنسا على ما يبدو لا تريد التخلي عن قلقها من أجل "مواطنيها" في منطقة الباسيفيك. وعلى ما يبدو، فالدول الأوروبية التي باتت في الصف الثاني ليست قادرة على التخلي عن إمبراطورياتها. وكان صعود الصين كقوة اقتصادية في الربع الأخير من القرن الحالي بمثابة معجزة سياسية واقتصادية. وتم تحقيقها من خلال المزواجة بين مبادئ الرأسمالية والديكتاتورية. وربما لم تعجب تمظهرات هذه المعجزة الغرب، وله الحرية لقول هذا، ولكنها ليست من شأنه، فالصين ليست خاضعة لسيادته.

ومع هذه القوة الجديدة، تبنت الصين فكرة المجد والتفوق العسكري وحساسية تجاه النقد والبحث عن مجال للتأثير. وكلها علامات أو متلازمات تعرفها الولايات المتحدة. والزمن وحده هو الذي سيحدد إلى أين يقود كل هذا. وقيام الغرب بفتح حرب باردة مع الصين سيكون حماقة، وبالنسبة لبريطانيا تحديدا، فهي سخافة ما بعدها من سخافة.

ورأت أن ما يطلق عليها الدبلوماسية الغربية هي كارثة، فقد فشلت في التكيف مع روسيا في مرحلة ما بعد الشيوعية وكان تعاملها مع العالم الإسلامي مأساويا. وفي أفغانستان أجبرت أغلى الجيوش في العالم على الرحيل من خلال الأيدي الممسكة بزناد بندقية "إي كي- 47". ومضى نصف قرن على سحب هارولد ويلسون بريطانيا من "شرق السويس"، ويبدو أن جونسون يتحرق للعودة ليثبت أنه قادر على توجيه لكمات أكبر من وزنه، ووضع بريطانيا على المسرح العالمي في مرحلة ما بعد البريكسيت، لكن ال​سياسة​ الخارجية التي تتشكل بشكل فارغ من المحتوى هي متهورة. وعلى الدبلوماسية البريطانية التركيز وبشكل كبير على أوروبا، فالشيء الوحيد الذي لم تغيره البريكسيت هو الجغرافيا.