من العاصمة الفرنسية باريس التي "يحطّ" فيها على أن يلتقي الرئيس إيمانويل ماكرون الجمعة، يطلق رئيس الحكومة ​نجيب ميقاتي​ "حراكه الخارجيّ" الموازي، على الأرجح، لذلك الداخلي، الذي تُرجِم وتيرة عمل "قياسيّة" أفضت إلى حصول حكومته على ثقة البرلمان في مدّة وجيزة، بانتظار عقدها أولى الجلسات "الجدية"، إن جاز التعبير، مطلع الأسبوع المقبل، وفق ما تشير إليه التسريبات والتكهّنات.

تتفاوت العناوين المطروحة لهذه الزيارة، بين من يضعها في خانة التأكيد على صمود "المبادرة الفرنسية" رغم كلّ المتغيّرات التي طرأت، وآخرها "أزمة الغواصات" التي عكّرت صفو العلاقات بين الولايات المتحدة وفرنسا، ومن يدرجها في إطار "جسّ النبض" قبل إطلاق العنان لـ"ورشة الإصلاحات" الموعودة، ومن يحصرها في المقابل في سياق "ردّ الجميل" للفرنسيين بعد الجهود التي بذلوها في لبنان، رغم تعثّرها أكثر من مرّة.
لكن، وبمُعزَلٍ عن "دقّة" كلّ هذه الفرضيّات، ثمّة "مفارقة" يتوقف عندها كثيرون، وتتمثّل في أن تكون الرحلة الخارجية الأولى لرئيس الحكومة في فرنسا، خلافًا لـ"عرف" دأب عليه رؤساء الحكومات أن تكون زيارتهم الأولى إلى السعودية، ما أوحى بأنّ أبواب المملكة لا تزال "مقفلة" في وجه لبنان، علمًا أنّ ما تسرّب عن مغادرة السفير السعودي وليد بخاري لبنان "بشكل عاجل" بعد أيام من تشكيل الحكومة "للتشاور"، لا يبدو مجرد "تفصيل".
من هنا، تُطرَح الكثير من علامات الاستفهام، ففي أيّ خانة يمكن إدراج الزيارة المرتقبة فعلاً؟ وأيّ نتائج مُنتظَرة منها، على المديين القصير والبعيد؟ وهل يفتح الرئيس الفرنسي أبواب الخارج أمام رئيس الحكومة، وهو الذي لطالما وعد بالإفراج عن المساعدات الموعودة بمجرّد تشكيل حكومة جديدة ومباشرتها الإصلاحات، وهو ما تعهّدت الحكومة بتنفيذه، من خلال بيانها الوزاري الذي انبثق أصلاً من "روحية" المبادرة الفرنسية؟.
في المبدأ، قد تجمع زيارة ميقاتي إلى باريس كلّ "الفرضيّات" التي وُضِعت لتفسيرها في "سلّة واحدة"، فالزيارة هي في جانب منها بلا شكّ، رسالة "امتنان وشكر" إلى باريس، التي وقفت إلى جانب اللبنانيين منذ انفجار مرفأ بيروت، وأطلقت مبادرة أفضت في النهاية إلى ولادة حكومة، رغم كلّ العثرات والألغام التي وُضِعت في طريقها، ودفعت كثيرين لنعيها، وجعلت ماكرون نفسه يصرف النظر عنها منذ تأجيله زيارته الثالثة إلى لبنان بداعي إصابته بكورونا.
لكنّ الزيارة، بالتأكيد، ليست "محصورة" في هذا الجانب، فهي تحمل في الوقت نفسه أكثر من بُعد، لجهة التأكيد على "التنسيق" بين رئيس الحكومة والجانب الفرنسيّ، لمواصلة العمل بمقتضى المبادرة الفرنسيّة، وبالتالي تطبيق الشقّ اللبناني "المجمَّد" منذ أشهر طويلة، والذي اشترطه الفرنسيّون لمواصلة الدور الذي باشروه في لبنان، يوم أطلق وزير خارجيّتهم جان إيف لودريان معادلته الشهيرة، وهو يخاطب المسؤولين اللبنانيين: "ساعدونا لنساعدكم".
بهذا المعنى، قد لا يكون تفصيلاً على الإطلاق أن تأتي الزيارة قبل الجلسة العمليّة الأولى للحكومة اللبنانية، وبالتالي قبل الإعلان رسميًا عن تشكيلة الوفد اللبناني إلى المفاوضات مع ​صندوق النقد​، والأهمّ من ذلك، قبل "بلورة" خطّة التعافي المالية التي سيتمّ التفاوض على أساسها، ما يعني أنّ هذه الخطّة ستكون "محور بحث ونقاش" بين ميقاتي والرئيس الفرنسي، الذي يعتقد كثيرون أنّ لديه بعض "الخطوط الحمراء" في سياقها.
وإذا كان من المُستبعَد أن تفضي الجلسة المرتقبة بين ميقاتي وماكرون إلى أيّ نتائج مباشرة على الواقع اللبناني، باعتبار أنّ هذه النتائج ستبقى مرهونة بأداء الحكومة، وأنّ الفرنسيين سيتريّثون في الإعلان عن أي دعم بانتظار أن تطبّق الحكومة الحدّ الأدنى من الإصلاحات المطلوبة، فإنّ هناك من يرى أنّ هذه الجلسة قد ترسم "خريطة الطريق" للمرحلة المقبلة، أو على الأقلّ، معالمها الأساسيّة والجوهريّة.
وبالتوازي مع كلّ ما تقدّم، قد لا تغيب مسألة "الحصار الخارجي"، إن جاز التعبير، عن "أجندة" اللقاء بين ميقاتي وماكرون، خصوصًا أنّ الأبواب لا تزال "مُغلَقة" أمام رئيس حكومة لبنان، في ظلّ سياسة "التجاهل" التي تستمرّ بعض الدول في انتهاجها، وفي مقدّمها المملكة العربية السعودية، التي سبق أن أعلنت أنّها تنتظر أن تراقب "أداء" الحكومة لتحكم عليها، بعد تجارب سابقة "غير مشجّعة" على أكثر من صعيد.
وفي هذا الإطار، يراهن ميقاتي على أن ينجح الرئيس الفرنسي، بشبكة علاقاته الواسعة، في مدّ الجسور اللازمة بين لبنان والدول الإقليمية الأساسية، والتي يحتاج إليها لبنان، وفي مقدّمها الرياض، علمًا أنّ محاولات ماكرون لم تفلح في مرحلة "تكليف" سعد الحريري، سوى في إصدار بعض بيانات "رفع العتب"، فيما عجز عن "إقناع" السعوديين بعقد أيّ لقاء مع الحريري، ولو أن البعض يقول إنّ ما يسري عليه لا ينطبق بالدرجة نفسها على ميقاتي.
ومن هذا المنطلق، قد تكون زيارة ميقاتي إلى باريس، واللقاء المرتقب بينه وبين الرئيس الفرنسي، "مفتاح" السياسة الخارجية للحكومة العتيدة، خصوصًا أنّ الفرنسيّين سبق أن حصلوا على "تعهّدات"، يصرّون على أنّها لا تزال سارية المفعول، من الكثير من "أصدقاء لبنان" بالمساعدة والدعم، لكن بشرط بدء الإصلاحات في لبنان، ما يعني أنّ الكرة لا تزال في ملعب اللبنانيين وحدهم، وهو ما يُتوقّع أن تتصدّى له الحكومة الجديدة.
لن يكون للقاء ماكرون ميقاتي انعكاسات مباشرة على الواقع اللبناني على الأرجح، وهو لن يؤدّي بطبيعة الحال إلى "حلول سحرية" للأزمات التي يتخبّط خلفها اللبنانيون، والتي يبدو أنّها تتزايد يومًا بعد آخر. لكنّه في المقابل، يمكن أن يؤسّس لـ"الإنقاذ" الذي تعهّدت به الحكومة، شرط تأمين "المناخات" الملائمة لذلك، وأولها تضامن وزاريّ بالحدّ الأدنى، بعيدًا عن أيّ أجواء مشحونة، بدأت تتعاظم بفعل حسابات انتخابيّة تطفو على السطح!.