ما بعد «معركة الطيونة» ليس كما قبلها. فقد كان السؤال بين 4 آب 2020 و14 تشرين الأول 2021: أين الحقيقة في تفجير المرفأ؟ ومَن المسؤول عن سقوط آلاف الضحايا بين قتيل وجريح؟ ولكن، منذ يوم أمس، قفز سؤال آخر إلى الواجهة: أين الحقيقة في معركة الطيونة؟ مَن بادر إلى إطلاق النار، ومَن يَتحمّل المسؤولية عن قتل وجَرح العشرات؟ وسيكون الجواب عن السؤال الثاني أصعب من الجواب عن السؤال الأول. وفي استنتاج البعض، أنّ الطرف المسؤول هنا قد يكون نفسه هناك.


قد تستمرّ مفاعيل «معركة الطيونة» لبضعة أيام، لكنها بالتأكيد لن تكون مدخلاً إلى حرب أهلية. ليس فقط لأنّ الجميع يتجنّبون سقوط لبنان، بل لأنّ أحداً في الميدان لا يمتلك السلاح ليقاتل «حزب الله». و»الحزب» نفسه يدرك ذلك، كما الأجهزة العسكرية والأمنية. ومنذ أن تخلَّت الميليشيات عن سلاحها وتحوَّلت إلى العمل السياسي، بقيت لعبةُ العسكر والأمن ميداناً متاحاً لـ»الحزب» وحده، ولا سواه.

ولكن، على رغم ذلك، كان لافتاً يوم أمس إصرار شرائح واسعة قريبة من «الحزب» على اتهام مناصري «القوات اللبنانية» بافتعال الشرارة في الطيونة. وهذا الأمر أثار «ارتياباً مشروعاً» في أوساط «القوات»، خصوصاً أنّ هذا الاتهام يأتي بعد سلسلة ضغوط سياسية ومعنوية تَعرَّض لها الحزب أخيراً وأثارت الكثير من التساؤلات عن مغزاها.

والقريبون من «القوات» يخشَون، مرّة جديدة، «فبركة» ملفات للحزب يكون الهدف منها التغطية على ملف المرفأ وإغراق القضاء والوسط السياسي، وتشويه صورة «القوات» وإضعافها سياسياً على أبواب استحقاقات انتخابية مُهمّة. وهذا الأمر سبق أن تعرَّضت له «القوات» في مراحل مختلفة.

وما يثير الاستغراب، وفق هؤلاء، هو أنّ فريق الرئيس ميشال عون السياسي بقي إجمالاً يلتزم جانب الصمت تجاه ما يجري، طوال يوم أمس، على رغم أنّ الحراك الميداني الاعتراضي الذي نظَّمه «الثنائي الشيعي» ضدّ المحقق العدلي طارق البيطار هو في الواقع حراكٌ ضد عون سياسياً.

ويقول هؤلاء، إنّ ما جرى على الأرض في الطيونة كشفَ حقيقة ما جرى قبل يومين على طاولة مجلس الوزراء. فقد تبيّن أنّ الخلاف التفجيري الذي جرى تظهيره سياسياً ليس في الواقع سوى «كباش» على السلطة، بين طرفين من داخل المنظومة نفسها، حيث يسعى كل منهما إلى تدعيم المكاسب قبل الانتخابات النيابية والرئاسية، فيما «حزب الله» يمسك فعلاً بكل عناصر هذه اللعبة ويديرها.

وينطلق المتابعون من هذا المنظار ليطرحوا السؤال الآتي: هل فعلاً يصدّق أحد أنّ عون تجرّأ فعلاً على مواجهة «حزب الله» حتى هذا المستوى من التحدّي؟

فبالترجمة العملية، عندما يصوّب القاضي البيطار على القريبين من الرئيس نبيه بري في ملف المرفأ، يكون عملياً قد صوّب على «حزب الله» واقترب من تحميله المسؤولية في ملف انفجار المرفأ.

وفي هذه الحال، لا يكون عون قد قرّر الطلاق فقط مع «الحزب»، بل أيضاً قرّر الوقوف إلى جانب الولايات المتحدة وسائر أعداء «حزب الله» في أدقّ مواجهة يخوضها. فهل هذا الاحتمال واقعي، وهل يمكن أن يخطر في بالِ عون وفريقه السياسي هذا النوع من التحدّي مع الحليف الشيعي القوي؟

طبعاً لا. فالتحالف بين الطرفين عميق جداً ومتشعب المصالح والأهداف، ولا يهزّه تحقيق في انفجار المرفأ. وبناءً على ذلك، لا يبدو الخلاف الواقع حالياً داخل منظومة السلطة جدّياً، بل هو جزء من «الكباش» داخل منظومة واحدة، وهو مضبوط.

وتعلّق شخصية معارضة على جرأة القاضي البيطار الاستثنائي وصموده، فتستعين بالقول الفرنسي الشائع: «إنّه أمرٌ جميل إلى حدّ أنه لا يُصدَّق». وتضيف: «لم يسبق للبنان أن شهد جرأة من هذا النوع لدى أحد القضاة. إنّه انتحاري. ولكن، نخشى أن يَبيعوا البيطار عندما يتمّ الاتفاق على الثمن ودفعه»!

بعض المعارضين يقول: إنّها عملية شدّ حبال ومساومات. فَتِّشوا عن باسيل وانتخابات الرئاسة. فالرئيس عون يستخدم ورقة المرفأ ضدّ بري حصراً للمساومة عشية الانتخابات النيابية والرئاسية. أعطوني لأعطيكم. وحَشُر «حزب الله» لانتزاع تعهّد منه بدعم باسيل... وإلّا فالمشكلة مفتوحة... تكراراً لسيناريو انتخاب عون. بل إنّه سيضع الجميع بين خيارين: إما باسيل وإما أن يبقى هو في الموقع حتى إشعار آخر.


وعندما يوحي عون بأنّه يدعم البيطار والتحقيقات في المرفأ، فبالتأكيد هو يرسل إشارة جديدة للأميركيين يمكن أن تصبّ في مصلحة باسيل. و»حزب الله» ليس قلقاً في هذا المجال، لأنّه يعرف أنّ لعون وباسيل هامشاً محدوداً في المناورة خارج نفوذه.

لقد وضع عون نفسه في الواجهة الكبرى، وأبقى باسيل في الظل حالياً، لئلا يحترق. وهو يقاتل في كل الاتجاهات لإنضاج الطبخة في مدى العام الباقي من ولايته. وكل ما يجري حالياً، بما في ذلك «معركة الطيونة» ليس سوى زوبعة في فنجان عون.