رغم ولادة الحكومة الميقاتية الثالثة، بمساعٍ فرنسيةٍ، و "بقبة باط" أميركية، فقد باتت أشبه "بحكومة ربط نزاع" بين محوري المقاومة والغرب. لكن يبدو أن واشنطن متمسكة في إستكمال حربها على المقاومة وحلفائها في ​لبنان​، في ضوء تعثر المفاوضات بين ​الولايات المتحدة​ و ​إيران​ في شأن الملف النووي الإيراني من جهة، بعد رفض طهران الإنصياع للإملاءات الأميركية، ووسط إنعقاد جلسات المفاوضات بين إيران و​السعودية​ الآيلة الى عودة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، في إطار عقد تسوية لأزمات المنطقة، خصوصاً التفاهم بين الطرفين على وقف الحرب على اليمن من جهةٍ أخرى، ولكن ليس كما تشتهي "المملكة"، التي تسعى الى الخروج من "الرمال المتحركة اليمنية" بإخراجٍ يحفظ "ماء وجه" الرياض. ولكن هذا لن يحدث قبل رفع الحصار الجائر عن الشعب اليمني الصابر والمحتسب، بدايةً من خلال عودة مطار صنعاء ومرفأ الحديدية الى العمل، لإدخال الدواء والسلع الغذائية الى الشعب اليمني.


ولم تصل المفاوضات الإيرانية- السعودية الى التسوية المرجوة حتى الساعة، رغم تأكيد وزارة الخارجية السعودية على إيجابية هذه المفاوضات. وسط هذه الأجواء المذكورة آنفاً، إتخذ المحور الأميركي- الخليجي قراره بالتصعيد الناري على الساحة اللبنانية، من خلال اللعب "بالورقة الأمنية" مجدداً، بعد فشل ما يسمى بـ "ثورة 17 تشرين" في تحقيق مبتغى هذا المحور، وهو ضرب المقاومة وحلفائها في لبنان، للضغط على محور المقاومة ككك في المنطقة.


ورغم فشل كل تجارب واشنطن والرياض في تحقيق هذا الهدف، من خلال تسخيرهما للإرهابيين والمجرمين في خدمة مشروعهما في لبنان، وخير دليل على ذلك، هو سقوط "حركات" كل من ​أحمد الأسير​ في صيدا، و"أبو طاقية"، و"أبو عجينة" في عرسال (صديق رئيس "القوات اللبنانية" ​سمير جعجع​) وسواهم، الذين فشلوا في إحداث فنتة مذهبية، لإقحام المقاومة في صراعاتٍ داخلية، رغم الأثمان الباهظة التي تحملتها بيئتها، التي إستهدفت بالإنتحاريين والسيارات المفخخة.


لكن هذه البيئة تعالت على الجراح، لإنها تثق بحكمة قيادتها، وصدق حلفائها وثباتهم ودعهم لها، بإنهم لن يسكتوا عن من سبب بقتل أبنائهم وأخوتهم. وحقاً أبرت المقاومة بوعدها، وأنهت بالتعاون مع ​الجيش اللبناني​ كل هذه الحركات المذكورة بحكمةٍ عاليةٍ، ومن دون أن تعرض الوحدة الوطنية لأي إهتزاز. وكانت أبرز ثمار هذا التعاون، هي "عملية فجر الجرود" في سلسلة الجبال الشرقية في العام 2017، التي توجت بتطهير هذه الجبال من الإرهابيين الذين عاثوا في البلاد قتلاً وترويعاً على مدى نحو سبعة أعوام، منذ بدء الحرب على سورية في العام 2011، فقد إستمر الإرهابيون في إحتلال جرود السلسلة الشرقية، حتى وصول الرئيس العماد ​ميشال عون​ الى سدة الرئاسة الأولى، فأمّن بدوره الغطاء السياسي اللازم للعملية المذكورة، فكان فجر الجرود.


إذا الحرب على المقاومة لم تتوقف على المستويات كافة، الأمنية والسياسية والإقتصادية والإجتماعية، غير أنها خرجت منها بسلامٍ، ولم تحيد عن هدفها الأسمى، وهو الدفاع عن لبنان، ليس إلا، حتى حين واجهت الإرهابيين التكفيريين في سورية، كان الهدف الأساسي في حينه، هو درء الخطر التكفيري عن لبنان وشعبه، في وقتٍ تورطت فيه قوىٍ سياسيةٍ وأجهزةٍ أمنيةٍ لبنانيةٍ في إستهداف الجارة الأقرب، وتحويل بعض الأراضي اللبنانية الى مقرٍ وممرٍ للإرهابيين الى الجارة الأقرب، كذلك إستخدام المرافئ اللبنانية، كقواعد إمداد لوجستية للإرهابيين في الشطر الثاني من الحدود، ضاربين بعرض الحائط المعاهدات والأعراف الدولية الناظمة للعلاقات الثنائية بين الدول. (نذكر باخرة لطف الله 2 الأتية من ليبيا والمتوجهة الى سورية، التي أوقفها الجيش اللبناني قبالة السواحل الشمالية).


وها هي سورية اليوم تستعيد سيادتها على كامل أراضيها، ودورها ودور رئيسها على الساحة الدولية، باعتراف مجلة "نيوزويك" الأميركية. ولكن لم يبر جعجع بوعده، حينما وعد بحلق شاربه على الهواء، اذا لم يسقط الرئيس بشار الأسد قبل نهاية العام 2012. وقبلها أيضاً وعد بسقوط الرئيس العماد إميل لحود، بعد "حملة فل" في العام 2005. غير أن كل توقعاته كالعادة، باءت بالفشل.


اليوم تعهد ايضاً صاحب المراهنات الفاشلة زعيم ميلشيا "القوات" أمام المحور الأميركي- الخليجي، بتنفيذ ما عجز عن تحقيقه حلفائه "الثوار التكفيريين" في سورية ولبنان، وهو محاولة جر المقاومة الى حرب أهليةٍ، من خلال إرتكابه لمجزرة ​الطيونة​، فمعلوم أنه ما كان ليقدم على إقتراف هذه المجزرة، بدون غطاءٍ سياسيٍ دوليٍ، وغض نظرٍ محليٍ، إن لم يكن أكثر من ذلك، لأن منطقة "عين الرمانة" شهدت تحركات لمسلحين من خارج المنطقة، قبل يوم من وقوع المجزرة، وعلى الفور أبلغ المعنيون بذلك، بحسب تأكيد مصدر أمني مسؤول.


رغم ذلك لم تتخذ الإجراءات اللازمة لتفادي الكارثة التي كادت أن تعرض البلاد الى حرب أهليةٍ. وعن رد فريق المقاومة على هذه المجزرة، يؤكد مرجع كبير في هذا الفريق، أن المقاومة لن تنزلق الى الكمائن التي تنصب لها، كي تسقط في الداخل، وأنها في الوقت عينه، لن تسكت عن مرتكبي المجزرة، وستلجأ الى مؤسسات الدولة لتحقيق العدالة، كذلك ستبقى متمسكةً بمطلبها، بنقل التحقيق في كارثة إنفجار المرفأ الى قاضي غير مسيس، عبر الأطر والأصول القانونية، على حد تعبير المرجع. ويقول: "اذا لم نلق تجاوباً، عندها سنذهب الى التصعيد السياسي، ولكن ضمن حقنا الدستوري أيضاً".


وتعقيباً على كل ما ورد آنفاً، يؤكد مرجع في فريق الثامن من آذار، أن حزب الله الذي خاض حروباً في المنطقة في وجه أعتى الإرهابيين في العالم، وأسهم في إنهاء وجودهم فيها. كذلك بعدما نجح في تفكيك الألغام التي زرعت أمامه في لبنان، لن يعجز عن تفكيك "لغم جعجع". وحتماً سيترجم "الحزب" نجاحه في تثيبت دوره في المنطقة، على أرض الواقع اللبناني ، يختم المرجع.