اشارت "الاخبار" الى انه تبيّن بعدَ أكثر من عام أن القضاء لا يقل تسييساً واستنسابية عن الإعلام الدعائي، وذلك في طريقة عمل المحقق طارق البيطار الذي تصرف بانتقائية وارتكب الكثير من المخالفات القانونية، ما جعله جزءاً من جبهة سياسية ــــ قضائية ــــ إعلامية، محلية ودولية، تعمَل وفقَ جدول محدد يخدم سردية هذه الجبهة، من خلال التركيز على "أدلة الإهمال الوظيفي" والوقائع المتعلقة بفترة وجود المواد داخل العنبر، لتوجيه أصابع الاتهام الى فريق معين في النهاية، مهملاً باقي الوقائع المتعلقة بما قبلَ دخول الباخرة والأسباب التي أدت الى انفجار المواد.

واوضحت بانه ظهر الكثير من التقارير التي تتضمن أسماء وتواريخ حول الباخرة ورحلتها، بدءاً بمالكها رجل الأعمال الروسي إيغور غريتشوشكين، ووجهة سيرها من جورجيا الى موزمبيق تحت علم مولدوفا، والمشكلة "التقنية" التي واجهتها ودفعت بها الى بيروت، قبل أن تمنعها السلطات اللبنانية من الإبحار مجدداً وتحجز على طاقمها وتفرغ البضاعة في العنبر الرقم 12. ويفترض بهذه المعلومات أن تكونَ جزءاً أساسياً من التقرير الظني الذي لم يُفرِج عنه المحقق العدلي حتى الآن، رغمَ كل المطالبات بذلِك، والتي يقول البيطار إنها "غير مكتملة" بسبب عدم تعاون الدول مع طلبات الجهات المختصة في لبنان بالحصول على معلومات تفيد التحقيق. كانَ ذلِك جواب البيطار عن سؤال أحد أعضاء مجلس القضاء الأعلى خلال الجلسة الأخيرة التي استُدعيَ إليها، حين استفسر منه عن سبب التأخر في إصدار القرار الظني، مشيراً إلى أن "الدول التي جرت مراسلتها لم تتجاوب مع طلب الأجهزة اللبنانية المختصة".
بعض الوثائق التي حصلت عليها "الأخبار" تؤّكد أن عدداً من الدول استجابت مع الاستنابات القضائية التي سطّرتها النيابة العامة التمييزية أو الكتب التي أُرسلت من أجهزة أمنية معنية بالتحقيق عبر الجهات المختصة (من بينها فرنسا وبريطانيا وقبرص والأردن). كما حصلت على معلومات من السفارات اللبنانية الموجودة في بلدان اتضح أن فيها أشخاصاً لهم علاقة بالباخرة والمواد مثل السويد واليابان وقبرص.

في جميع الأحوال، يتبيّن من المراسلات بين الأجهزة القضائية والأمنية من جهة وأجوبة الدول والمراجع المختصة فيها، أن القاضي البيطار عرض حجة غير مقنعة أمام المجلس الأعلى للقضاء لتبرير تأخير صدور القرار الظني. وإذا كانت المعلومات التي وصلت الى لبنان غير كافية أو تدل على عدم التعاون بما يخدم سير التحقيقات التي يقوم بها، يتوجّب السؤال لماذا لم يرفع الصوت اعتراضاً على عدم التعاون، والقول علناً إن هذه الدول لا تقوم بدورها كما يتوجب عليها. ولماذا غُيّب هذا الجانب أو جرى طمسه من قبل الأطراف التي تتولى حملة "المطالبة بدعم التحقيق" للوصول الى الحقيقة كاملة، أو أقلّه إعطاء هذا الجانب مساحة كافية من الاهتمام؟