"ولعت" بين رئيس الجمهورية ميشال عون ورئيس مجلس النواب نبيه بري. قد لا تكون هذه الجملة جديدة بالنسبة إلى المتابع للشأن السياسي الداخلي، فهي تتكرّر بين الفينة والأخرى، على وقع التباينات التي لا تنتهي بين الرجلين، والتي يعزوها المتابعون إلى ما تسمى بـ"الكيمياء المفقودة"، كـ"غطاء" للخلاف السياسيّ الشاسع على كلّ شيء.

ولعلّ هذه العبارة تنطبق، بشكل أو بآخر، على ما دار بين الجانبين في اليومين الماضيين، على خلفيّة تغريدة لرئيس الجمهورية، استشهد فيها بمقولة من نهج البلاغة للإمام علي، مفادها بأنّ "الأبرياء لا يخافون من القضاء"، فتصدّى له "الأستاذ" سريعًا، قبل أن تتوالى الردود والردود المضادة، في "حفلة جنون" باتت مملّة من كثرة التكرار.
لكنّ العبارة، بهذا الشكل، قد تكون منقوصة، لكون الطرف الثالث في العلاقة بين الجانبين، "حزب الله"، أو "حليف الحليف"، لا يقف على "الحياد"، منتظرًا "الفرصة" ليتوسّط بين حليفيه ورأب الصدع، ذلك أنّه جزءٌ من الصراع الحالي، وقد يكون مُستهدَفًا بتغريدة عون، أكثر من بري نفسه، في ضوء الامتعاض "العونيّ" من أدائه في الآونة الأخيرة.
ولعلّ ما يعزّز فرضية "الصراع المحتدم" بين عون ومن خلفه رئيس "التيار الوطني الحر" من جهة، وثنائي "حزب الله" و"حركة أمل" من جهة ثانية، يكمن في كون تغريدة رئيس الجمهورية لم تأتِ معزولة في سياقها، وقد جاءت بعد أقلّ من 24 ساعة من بيان تكتل "لبنان القوي" الذي اعتبر الإصرار على تعطيل الحكومة وشلّها "جريمة موصوفة".
ولا يبدو مُبالَغًا به القول إنّ هذا الانتقاد موجَّه إلى "حزب الله" أكثر بكثير من بري، الذي يترك منذ فترة "خطًا للرجعة"، فيما يتصدّر قياديّو "الحزب" الصورة، وهم لا يتردّدون في تكرار موقفهم الرافض لعقد أيّ اجتماع للحكومة، قبل حسم "مصير" المحقق العدلي في جريمة تفجير مرفأ بيروت القاضي طارق البيطار وتنحيته عن الملفّ.
ويشير العارفون إلى أنّ أداء "حزب الله" في هذا الملف، معطوفًا على "برودته" في التعامل مع الأزمة غير المسبوقة مع الخليج، حتى لو كانت "مفتعلة" كما يعتقد، لم تكن محل ترحيب في صفوف "التيار"، الذي يعتبر نفسه "المتضرّر الأكبر" من سياسات الحزب، التي تخدم على النقيض خصومه، وفي مقدّمهم رئيس حزب "القوات اللبنانية" سمير جعجع.
فبعد الخطاب الشهير للسيد حسن نصر الله، الذي فُسّر في العديد من الأوساط "هدية مجانية" لجعجع، جاء إصرار "حزب الله" على تعطيل الحكومة وشلّها بعد شهر واحد على تشكيلها ليشكّل "ضربة فادحة" لـ"العهد" الذي كان يعوّل على الحكومة لتقطيع مرحلة ما قبل الانتخابات بأقصى حدّ من "الإنجازات" التي يمكن أن تعوّض ما فات من "إخفاقات".
ولعلّ الأنكى أنّ تعطيل الحكومة وشلّها من جانب "حزب الله"، بمساندة "حركة أمل"، جاء على خلفيّة قضية تُعتبَر "مبدئيّة" بالنسبة إلى الجمهور "البرتقالي"، وهي قضية التحقيق في انفجار مرفأ بيروت، فضلاً عن كونه ما يطالب به "الحزب" لتحرير الحكومة ينطوي على مخالفة دستورية من شأنها ضرب مبدأ "فصل السلطات"، بما يتناقض مع ثوابت "التيار".
في المقابل، ثمّة عتب لدى "حزب الله" على "التيار" الذي لا يبدو، وفق ما يقول العارفون بأدبيّات الحزب، "متفهّمًا" لهواجسه المشروعة، لا سيّما في ظلّ الهجمة "الشرسة" التي يتعرّض لها من كلّ حدب وصوب، والتي لا يعتقد على الإطلاق أنّها "بريئة"، خصوصًا أنّها توحي بأن "رأسه مطلوب" بكلّ بساطة.
ويشير هؤلاء إلى أنّ الأزمة "المفتعلة" من جانب السعودية مع لبنان "فضحت" هذا التوجّه، وهو ما تجلّى بوضوح "فاقع" في الشروط "التعجيزية" المُعلَنة من جانب الرياض لـ"تليين" موقفها، وعلى رأسها أن تتقدّم الحكومة اللبنانية بـ"الاعتذار" من قيادة المملكة، على أن تعطفه على موقف رسميّ "مناهض بالمُطلَق" لـ"حزب الله" باسم الدولة اللبنانية.
لكن، رغم كلّ ما سبق، كان لافتًا لجوء "حزب الله" إلى "النأي بالنفس"، حيث تفادى أمينه العام السيد حسن نصر الله، في خطابه الأخير لمناسبة "يوم الشهيد"، إطلاق أيّ موقف بشأن الحكومة، أو مقاربة المواقف "العونيّة" الواضحة والصريحة من قريب أو من بعيد، مكتفيًا ببعض المواقف العامة والمعروفة، بعيدًا عن موضوع الأزمة مع الخليج.
في هذا السياق، ثمّة أكثر من "تفسير" لهذا النأي بالنفس، أولها أنّ "حزب الله" متمسّك بعلاقته مع "التيار"، وهو لا يريد "التفريط" بها بأي شكل، لا سيما لما توفره له من "غطاء" على أكثرمن صعيد، وبالتالي فهو يفضّل معالجة "التباينات" القائمة داخل "الغرف المغلقة" وفق ما يؤكد دومًا، بعيدًا عن الغوص في سجالات لا طائل منها، بل إنّها قد "تعمّق" الخلاف أكثر.
أما الرأي الثاني، فيستند إلى فرضية "توزيع الأدوار"، ليشير إلى أنّ رئيس مجلس النواب "كفّى ووفّى" بردّه على رئيس الجمهورية، وهو تولّى إيصال الرسائل اللازمة لمن يعنيه الأمر، بالأصالة عن نفسه والوكالة عن "حزب الله"، وهو ما يدركه القاصي والداني، خصوصًا أنّ الحزب يشكّل "رأس الحربة" في موضوع القاضي البيطار.
ويلاحظ أصحاب هذا الرأي أنّ "توزيع الأدوار" قائم أصلاً بين "الحزب" و"الحركة"، حيث تبدو الملفات مقسّمة بوضوح بين الجانبين، ففيما يقود بري "الجبهة" مع "التيار"، يتولى "الحزب" الملفات التي ينكفئ عنها "الأستاذ"، ومنها الأزمة مع الخليج، فضلاً عن العلاقة مع "القوات اللبنانية"، بعد أحداث الطيونة الدموية الأخيرة.
هكذا، تبدو المعادلة واضحة. المعركة بين عون و"الثنائي" قائمة، ولعلّها انتخابيّة في جانب أساسيّ منها. "حزب الله" يحيّد نفسه عنها، حرصًا على العلاقة مع "التيار". لكنّ ذلك لا يخفي حقيقة "الخلاف" بين الجانبين، "خلاف" تكاد فيه صورة "الحزب" لدى العونيّين توازي تلك "النمطية" عن رئيس مجلس النواب، وهنا الطامة الكبرى!.