لعبت ​السعودية​ ورقتها وراهنت على رغبة ​فرنسا​ و​الولايات المتحدة الاميركية​ في تجنب لبنان الويلات ومصائب جديدة، كي تدفع واشنطن الى تغيير سياستها تجاهها، واعتبرت الرياض انها، وعن حق، ضرورة بالنسبة الى شريحة مهمة من اللبنانيين ولن يكون بالامكان الاستغناء عنها او تعويضها بسهولة. واخذت السعودية جرعة معنويّة بوقوف ​الامارات​ الى جانبها في ما خص العقوبات على لبنان، وهو امر بعث على الارتياح خصوصاً في ظلّ المنافسة الظاهرة بين السعودية والامارات في اكثر من ملفّ وفي اكثر من بلد. وفي نظرة واقعية لتطور الاحداث، يمكن القول ان الثانية اخذت خطوات كبيرة للتقدم الى الامام والخروج من عباءة الشقيقة الاكبر، وصقل شخصيتها المستقلة لتدخل فيها الى مستوى اعلى من اللعبة الدولية. هكذا، بكل بساطة، باتت الامارات محوراً مهماً على الساحة الدولية، فتراها قد تراجعت نسبياً في اليمن، انما تقدمت في كثير من المحاور الاخرى، من ​افغانستان​ الى ​سوريا​ الى ​بيلاروسيا​، من دون ان ننسى اهمية ما قامت به من اتفاق مع اسرائيل (ولو انه لا يحظى برضى قسم كبير من شعوب ​الدول العربية​)، وتواجدها في ​الفضاء​ لتحجز مكاناً لها بين الدول القليلة التي خرجت عن نطاق الكرة الارضية. لم تحتج الامارات الى موافقة السعودية كي تقوم بكل هذه الخطوات، ولو انها احترمتها ولم تشأ ان يظهر التباين الى العلن، فأبقت على العلاقة البروتوكولية ولكنها تفرّدت بقرارات مهمة ومصيرية بالنسبة اليها لم تكن لتتخذها من دون مراجعة ومباركة السعودية.

في المقابل، ليس خفياً ان تركيا تعمل منذ فترة غير قصيرة، على تثبيت رجليها في المنطقة والاضطلاع بأدوار اكبر مستندة الى تحالفاتها (القديمة والجديدة) من جهة، والى هويتها الطائفية التي لعبت ورقتها في اكثر من مناسبة وبشكل مباشر وعلني، كما انخرطت في ادوار مهمة في كل من سوريا ولبنان من الناحيتين الامنية والعسكرية، وفرضت وجودها في مسعاها لتوسيع نفوذها وصلاحياتها، وهي تسير بخطوات لا بأس بها في هذا المجال.
كل هذا الامر مردّه الى تراجع النفوذ السعودي في المنطقة، وتقديم الامارات وتركيا اوراق اعتمادهما كلاعبين بارزين بامكانهما العمل على تعبئة الفراغ السعودي، او على الاقل التخفيف من تأثيره، وهو امر لا يرضي السعودية بطبيعة الحال، ولا ولي عهدها الذي اخذ يعمل منذ فترة على الانفتاح على الخارج وتعزيز الاستثمارات والمشاريع لاستقطاب الشركات الدولية التي تعتبر موطئ قدم لدولها التي تحرص على مراعاتها وحماية مصالح هذه الشركات سياسياً وامنياً، فتعوّض بذلك بعض الخسارة التي تكبدتها المملكة بتراجعها عن مسرح الاحداث الاقليمية والدولية بعض الشيء. لا يمكن القول ان الرياض القت اوراقها وتركتها، كما لا يمكن الجزم بأن الامارات وتركيا نجحتا في تعبئة الفراغ السعودي، ولكن من المنصف القول ان تسارع الخطوات لكل من الدولتين المذكورتين، يفرض نفسه وهو امر يلقي بظلاله على تطور الاحداث في العديد من الدول، مع الاخذ في الاعتبار مصالح الدول الكبرى التي تنوّع حضورها في المنطقة بعد التدخل الروسي الواضح في سوريا، ومسارعة فرنسا للدفاع عن نفوذها في لبنان، واكتفاء اميركا باعطاء البركات للخطط التي تحفظ لها مصالحها من دون ان تضطر الى التدخل عسكرياً في سبيل ذلك.
اليوم، تشهد المنطقة مرحلة جديدة، بانضمام لاعبين آخرين الى اللعبة، ولا يمكن اغفال هؤلاء وحضورهم، فقد توسعت طاولة القرارات بالفعل وليس من المبالغة القول ان الامارات وتركيا باتتا تملكان كرسيين دائمين على هذه الطاولة، وان نفوذهما آخذ في التوسع، فيما على السعودية ان تحذر من ان يكون هذا التوسع على حسابها.