كنت لا أزال بعدُ على مقاعد الدراسة اللاهوتيّة أتلمس طريقي إلى الكهنوت، يوم دعا البابا يوحنا بولس الثاني، في الثاني عشر من حزيران سنة 1991 إلى عقد جمعيّة ل​سينودس​ الأساقفة من أجل لبنان.

كان زمن السينودس زمن نعمة عنوانه التطلّع بشوق إلى واقعٍ كنسيّ جديد، بابه البدء بفحص ضمير صريح، وتوبة شخصيّة لا بدّ منها في سبيل تخطّي واقع الحال المُهترئ الذي سبّبته الحرب اللبنانيّة، ولا سيّما في سنيها الأخيرة التي قسمت ظهر الكنيسة، ومزّقتها من الدّاخل بسبب تقاتل الإخوة، وشوّهت صورتها في مُحيطها العربي والمشرقي!
أثناء الفترة التحضيريّة للسينودس، تعلّمنا كيف نكون يداً واحدة، وفكراً واحداً، وقلباً واحداً. وعملنا بحماسة وبروحِ كنسيّة عالية، فصلّينا معاً، وفكّرنا معاً، وناقشنا، وتناقشنا، كُلٌّ في رعيّته وأبرشيّته وبيئته، وقلّبنا صفحات الكتب المقدسة، وصفحات تاريخ كنيستنا المارونيّة، وكتبنا تقارير بما خلصنا إليه، ورفعنا تقاريرنا، أسوةً بغيرنا من الرّعايا والأبرشيات الكاثوليكيّة، إلى الأمانة العامّة، وانتظرنا زمن الرّجاء الجديد! وفي النهاية عُقد السينودس وصدر الإرشاد الرسولي "رجاء جديد للبنان"، الذي مهره البابا القديس يوحنا بولس الثاني بإمضائه في بازيليك ​سيدة حريصا​ في العاشر من أيار سنة 1997 أثناء زيارته الرسولية التاسعة عشرة لحبريته إلى لبنان. جاء البابا لزيارتنا... فَرِحنا، ورحّبنا، وهيّصنا، وصرخنا، وبكينا أمامه على حالنا وحالتنا، وعبّرنا له عن عمق محبّتنا، وهتفنا له: “jean paul II,we love you”،" يوحنا بولس الثاني، نحن نحبّك"!.
ترك البابا القديس كتاب وصاياه إلى الكنيسة في لبنان وعاد أدراجه إلى الفاتيكان، حاملاً لبنان وشعبه في فكره وقلبه وصلاته. وصّف لنا البابا يوحنا بولس الثاني في الوثيقة التي ذخّرنا بها، حالة وواقع الكنيسة في لبنان، وقارب القضايا الكنسيّة في أبعادها المتنوّعة؛ السّلطوية، والرّعوية، والمؤسّساتية، والعلائقية، والسياسيّة، وغيرها من القضايا. وللأسف الشديد، لم يرتقِ هذا الإرشاد الرسولي من كونه غاية إلى كونه وسيلة، وبقيت الوثيقة الحبريّة حبراً على ورق!.
وفي سنة 2004، تنادى البطريرك ​مار نصرالله بطرس صفير​، و​المطارنة الموارنة​ إلى عقد مجمعٍ بطريركي ماروني، هو ثاني أكبر المجامع في ​الكنيسة المارونية​ بعد المجمع اللبناني الذي عُقد سنة 1736 في دير سيّدة اللويزة. وفكرة المجمع البطريركي هذه، تعود في الأساس إلى ثمانينيّات القرن الماضي، وإلى الخوري العلاّمة يواكيم مبارك، الذي عُرفَ عنه سعيه الدؤوب من أجل كنيسة مارونية قويّة متجذّرة بالرّوحانيّة السّريانيّة، والانطاكيّة، والقيام بإصلاحات كنسيّة وطقسيّة عميقة، ولكنه لم يجد له آذاناً صاغيّة من المسؤوليين الكنسيين آنذاك، على الرغم من التحضيرات الجديّة التي قام بها، فعاد أدراجه إلى فرنسا مُحبطاً!.
وعلى غرار السينودس من أجل لبنان، أسّسنا اللجان المواكبة، واجتمعنا، وصلّينا، وتدارسنا، وتناقشنا، وخلصنا إلى كتابة خُلاصة قراءتنا لواقعنا في تقارير رفعناها إلى الأمانة العامّة. التأم المجمع في دوراتٍ ثلاث، واستمر لغاية سنة 2006، وصدر عنه ثلاثاً وعشرين وثيقة، تُوازي بعددها وثائق المجمع الفاتيكاني الثاني. تطرقت نصوص المجمع المذكور إلى الهويّة والتاريخ، ووصفت القضايا ذات التّماس المباشر بالكنيسة المارونية وبحضورها، وشهادتها، وإكليروسها، ومؤمنيها، وعلاقاتها مع الجماعات اللبنانية الأُخرى المسيحية والإسلامية. وللأسف الشديد بقيت النصوص المجمعيّة، كسابقاتها، حبراً على ورق، ولم يتحقّق أي شيء يُذكر على أرض الواقع!.
وفي 14 أيلول من سنة 2012، وأثناء زيارته الرسوليّة إلى لبنان، وقّع البابا بندكتس السّادس عشر نصّ الإرشاد الرّسولي "الكنيسة في الشرق الأوسط" في بازيليك سيدة حريصا، وذلك بنتيجة مسيرة مجمعيّة امتدّت لسنتين، عُقدت فيها جلسات أسوة ببقية السينودسات، وطُلبت فيها استفتاءات، ورفعت فيها تقارير. هذا الإرشاد الرّسولي الذي يُفسح في المجال أمام الكنيسة بإعادة التفكير بعمق، بحاضرها في منطقة الشرق الأوسط، والنظر إلى المستقبل بنظرة المسيح نفسها، بقي بدوره حبراً على ورق، ولم يُطبَّق أي شيء منه!.
وفي أيلول من سنة 2021 أطلق قداسة ​البابا فرنسيس​ المسار السينودسي للجمعية العامة العادية السّادسة عشرة لسينودس الأساقفة، حول موضوع "من أجل كنيسة سينودسيّة: شركة، مشاركة ورسالة"، الذي سيلتئم سنة 2023، بعد أن تكون الكنيسة قد خطت الخطوة نفسها المتّبعة قي بقيّة السينودسات.
وبالطبع، تلقّفت الكنيسة المارونيّة في لبنان الدعوة إلى المشاركة في المسيرة السينودسية مع الكنيسة الجامعة، بدليل أن رُعاة الأبرشيات افتتحوا كلّهم في قدّاساتٍ احتفالية سنة السينودس، وبدأوا، وعلى غرار السينودسات السابقة، يؤسّسون مجموعات التفكير، ويُمطرون رعايا أبرشياتهم بكمٍ من الأسئلة، هي نفسها التي طُرحت فيما مضى، مع إضافات مرتبطة بالحداثة.
ولكن التحدّي الأكبر يبقى في ما إذا كانت الكنيسة المارونية ستتعاطى مع مقررات السينودس الحالي على غرار سابقاتها من المقرّرات التي بقيت حبراً على ورق!.