منذ زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى بيروت الأولى، بعد الإنفجار الذي وقع في مرفأ بيروت في الرابع من آب من العام 2020، بات الحديث عن تعديل النظام اللبناني أمراً طبيعياً، خصوصاً أن البلاد كانت تشهد أزمة غير مسبوقة على كافة المستويات السياسية والمالية والاقتصادية والاجتماعية.

في تلك الزيارة، صدر عن الرئيس الفرنسي بعض الكلام الملتبس، لكن هذا لا يلغي فكرة وجود رغبة عند العديد من القوى السياسية نحو التوجه إلى هذا الخيار، تعززت، في الفترة الماضية، من خلال بعض التصاريح المحلية والخارجية التي تصب في هذا الإتجاه، خصوصاً في ظل الأزمة الحكومية الراهنة التي تترافق مع الرهانات الكبرى على نتائج الإنتخابات النيابية، من دون تجاهل ما يُطرح على مستوى المنطقة من نظريات حول إعادة ترتيب أوضاعها.
في هذا السياق، من الضروري العودة إلى تصريح رئيس "الحزب التقدمي الإشتراكي" وليد جنبلاط، خلال لقاء خاص مع جريدة "الأنباء" الإلكترونية لمناسبة ذكرى ميلاد كمال جنبلاط، عندما اعتبر أن المطلوب "نظام سياسي جديد يخرج من نظام إنتخابي جديد، لأن النظام الحالي هو نظام محاصصة بين الثنائي الشيعي والثنائي المسيحي، وأكبر الخاسرين في هذا النظام كان زعيم تيار المستقبل سعد الحريري، ونحن كأقلية حزبية والأحزاب العامة والأحزاب الوطنية التي تنادي بإلغاء ​الطائف​ية السياسية".
بالإضافة إلى تصريح رئيس الجمهورية ميشال عون، خلال لقائه لوفد من نقابة المحررين أول من أمس، الذي أشار فيه إلى أن "السلطة الحالية توافقية بثلاثة رؤوس، وبالتالي من الصعب أن تحكم. والنظام الطائفي يعتبر قائما على التوافق. لذلك، نأمل بعد هذه الأحداث، تغيير الوضع، فأنا اعتبره نهاية حقبة معينة تخطى عمرها 30 عاماً، وباتت تحتاج إلى تغيير".
ما تقدم يعزز الرهان على نتائج الإنتخابات النيابية، حيث يريد كل فريق من خلاله السعي للعودة إلى قبل إتفاق الدوحة، التي كرست نظرية الديمقراطية التوافقية، عبر حق القوى السياسية في تسمية ممثليها في مجلس الوزراء، بالإضافة إلى معادلة الثلث المعطل التي كانت تطالب فيها قوى الثامن من آذار (عندما كانت في موقع المعارضة)، حيث بدأت تطرح في بعض الأوساط السياسية المحسوبة على قوى الرابع عشر من آذار سابقاً معادلة حكومة الأكثرية.
في المقابل، كان من الواضح أن "حزب الله" يريد منذ اليوم، أي قبل الإنتخابات النيابية المقبلة، تكريس نظرية الديمقراطية التوافقية، أي حكومات الوحدة الوطنية مهما كانت نتيجة الإستحقاق الإنتخابي، الأمر الذي يسمح له بالإحتفاظ بورقة الفيتو الشيعي، التي سمحت له اليوم في منع إنعقاد مجلس الوزراء قبل تحقيق المطالب التي يطرحها مع "حركة أمل"، أي معالجة أزمة التحقيقات في ملف انفجار مرفأ بيروت.
هذا السجال، من المرجح أن يتصاعد في الفترة المقبلة، أي الفاصلة عن موعد الإنتخابات النيابية، لا سيما أنه يترافق مع رغبة العديد من الجهات الدولية والإقليمية في إبعاد "حزب الله" عن السلطة التنفيذية، من خلال طرح معادلة القوى التغييرية، التي يتم الرهان عليها لتغيير معادلة الأكثرية النيابية، وهو ما عبرت عنها العديد من العواصم الخارجية في الفترة الماضية.
في هذا الإطار، بدأت تطرح في بعض الأوساط معلومات عن ضمانات من الممكن أن يحصل عليها الحزب، على إعتبار أنه الفريق الأقوى على الساحة اللبنانية، قبل موعد الإستحقاق الإنتخابي، تتعلق بترتيب الأوضاع في المرحلة التي ستليه، نظراً إلى أن الملف اللبناني سيفتح على مصراعيه في تلك المرحلة، خصوصاً إذا ما نجحت المفاوضات التي تتناول أكثر من ملف إقليمي ساخن.
في المحصلة، باب تعديل النظام، الذي كان يثير الكثير من الحساسيات في الماضي، مفتوح بقوة في المرحلة الحالية، على وقع التعقيدات التي يشهدها الملف اللبناني على أكثر من مستوى، الأمر الذي من الممكن أن يتم بهدوء في حال كان لدى القوى المحلية الرغبة في الجلوس على طاولة حوار واحدة، كما من الممكن أن يتم على وقع تحديات أكبر في حال ذهبت الأوضاع المحلية إلى المزيد من التدهور، نظراً إلى أنهم حينها سيكونون مجبرين على الجلوس حول هذه الطاولة بقرار دولي.