ارتفع أخيراً معدل «الكوليسترول السياسي» في العلاقة بين «حزب الله» و»التيار الوطني الحر» نتيجة افرازات الخلاف حول ملفي القاضي طارق البيطار والوضع الحكومي. الّا انّ عوارض هذين الملفين، على حدّتها، لن تدفع «الحزب» إلى خيار دراماتيكي من نوع فسخ التفاهم الذي يربطه بـ«التيار».

بعدما كانت التمايزات بين الجانبين تُقارَب بنوع من الخفر والديبلوماسية سابقا، أصبح التعبير عنها حاليا اكثر صراحة ووضوحا، خصوصا من جانب التيار الذي بات بعض قيادييه ونوابه لا يجدون أي حرج في توجيه انتقادات حادة الى «حزب الله» عبر الإعلام.

ومع انّ ظاهر الأمور يوحي أنّ «تفاهم مار مخايل» بات خارج الخدمة عملياً وانّ علاقة طرفيه آخذة في التحلل شيئاً فشيئاً، إلاّ ان بعض المواكبين لها يستبعدون انهيارها لاقتناعهم بأنّ «بنيتها التحتية» لم تفقد بعد قدرتها على احتواء التباينات المستجدة، خصوصا انّ كلاً من الجانبين لا يزال يحتاج إلى الآخر، وإن تباعدت المصالح والحسابات أحيانا.

وهناك من يفترض ان المسافة التي يأخذها التيار عن الحزب في هذه المرحلة، انما تعود في احد أسبابها الى متطلبات وضرورات الاستعداد لخوض الانتخابات النيابية في الشارع المسيحي الذي سيكون مسرحاً لأصعب المعارك الانتخابية، حيث يُتوقع ان يواجه «التيار البرتقالي» اختبارات مفصلية سيتوقف على نتائجها مصيره ومن ثم شكل الأكثرية المقبلة.
والمفارقة هنا، انّ التيار يشعر من جهة بوجوب ان يخفف عن كاهله عبء خيارات الحزب الداخلية والخارجية، ويأمل من جهة أخرى في ان يكسب اصواته ضمن الدوائر التي تضم ناخبين شيعة مناصرين له.

وعلى رغم انّ الغرف المغلقة في حزب الله لا تخلو من عتب على المواقف التصعيدية التي تتخذها شخصيات برتقالية ضده علناً، غير أنّ الاتجاه العام لديه ينحو صوب تفهم ظروف التيار وحاجته الى تظهير خصوصيته حتى اقصى الحدود الممكنة، قبل اشهر قليلة من المبارزة التي تنتظره في صناديق الاقتراع مع خصومه المسيحيين والمزايدين عليه.

من هنا، فإنّ الحزب لا يزال متمسّكا بالتحالف مع «التيار الوطني الحر» من دون تجاهل ضرورة اخضاعه الى «الصيانة السياسية»، معتبرا انّ هذا التحالف الذي اهتز مرات عدة حتى الآن، ممنوع ان يقع لأسباب استراتيجية لم ينته مفعولها بعد.

ويُسمع في الغرف المغلقة للحزب ما مفاده انّ «اكثر من 15 عاماً مرّت على تفاهم مار مخايل، حدثت خلالها اختلافات سياسية بيننا، ولكن الأكيد ان لا الرئيس ميشال عون ولا النائب جبران باسيل طعنا الحزب في ظهره على مستوى القضايا الاستراتيجية، سواء في مواجهة العدو الاسرائيلي ومخططاته او في مسألة الحرب على سوريا ومشاركة الحزب فيها لصد الخطر التكفيري والتي سبق أن اعتبرها عون مشاركة استباقية».

ويحرص الحزب على الاشارة الى انّه يقارب السياسة والتحالفات عبر طبقات متدرجة:

«طبقة أرضية تتعلق بالتفاصيل التي قد نتفق او نختلف حولها مع الحليف وهذا مشروع، تليها طبقة الخيارات الاستراتيجية التي نوليها الاهتمام الأساسي ونعطيها الاولوية، ثم تأتي طبقة الأخلاق التي تتوج ما قبلها، وهذه المعايير مجتمعة تشكل بوصلة علاقتنا بالتيار».

ووفق المطلعين على ما يدور في اروقة الحزب، فهو يريد أن يبقى التيار واقفاً على رجليه «وحيث نستطيع أن نساهم في ذلك انتخابياً سنفعل، ونحن سنكون جاهزين لدعمه في الدوائر التي نملك فيها تأثيراً، وألا فمن البديل عن التيار حتى نتخلى عنه؟ سمير جعجع؟».

ويرفض الحزب ربط هذا الموقف بحاجته إلى وجود حليف مسيحي يغطي سلاحه، «إذ في إمكاننا ان نبقى بلا حلفاء عشر سنوات الى الامام. بيئتنا محصنة ولن تتأثر بالتحريض الّا قليلا، وبالتالي فانّه يمكننا أن نكتفي بقوة الدفع الذاتي للصمود حتى لو خسرنا فرضاً كل الحلفاء، وهذا غير مطروح اساساً، لا في البيئة المسيحية ولا تلك السنّية والدرزية حيث لنا حلفاء وأصدقاء وازنين».

وبناء عليه، يؤكّد الحزب انّ حرصه على استمرار التحالف مع التيار يستند بالدرجة الأولى الى مقتضيات وطنية «ولذلك هو سيجدنا الى جانبه في الانتخابات النيابية حيث يحتاج الينا ويكون في مقدورنا ان نساعد».

ولكن الحزب يعرف أيضا انه لا يجوز اختزال الساحة المسيحية بالتيار، وإن يكن صاحب تمثيل واسع، ولذا فإنّ ما يتسرّب عن اروقة الحزب يعكس ايضا التمسك بالتحالف أيضا مع «صاحب الزعامة الأصيلة رئيس تيار «المردة» سليمان فرنجية والشخصيات المسيحية المستقلة التي تدعم خيار المقاومة».

وابعد من حدود العلاقة بالتيار، بدأ الحزب يروّج منذ الآن لمعادلة جوهرها ان «الغالبية العددية في مجلس النواب قد نربحها وقد نخسرها، وهذا يتوقف على التطورات التي ستحدث حتى موعد الانتخابات، ولكن ما تتوجب معرفته هو اننا لم نستخدم سلاح الأكثرية سابقاً الا نادرا، وغيرنا لن يستطيع استخدامه لاحقا إذا حاز عليه، وذلك ربطا بطبيعة النظام السياسي اللبناني وما يفرضه من توازنات وتوافقات عابرة للأرقام والأحجام».