منذ ما قبل إعلان رئيس الحكومة السابق سعد الحريري قراره، تعليق العمل بالحياة السياسية وعدم المشاركة في الانتخابات النيابية، طُرحت السيناريوهات التي تربط بين هذا القرار وحصول الإستحقاق الانتخابي، على قاعدة فقدانه الميثاقية، الأمر الذي رفضته العديد من الجهات السياسية، بالرغم من أن هناك جهات أخرى أكدت على دخول الإستحقاق دائرة الخطر.

في مطلق الأحوال، هناك شبه إجماع على أن البلاد باتت بحاجة إلى تسوية سياسية جديدة، حتى ولو كانت مرحلية، لتمرير الانتخابات النيابية، خصوصاً أن هناك من يعتبر أنها في ظل الظروف الراهنة ستبقى مهددة، بالرغم من كل الضغوط الدولية التي تصب في الإتجاه المعاكس.
ما تقدم، يفترض العودة إلى ظروف الإستحقاقات الإنتخابية التي حصلت منذ العام 2005 حتى اليوم، نظراً إلى أنه قبل ذلك التاريخ لم يكن القرار لبنانيا صرفا، كما أن الظروف لم تكن مشابهة لتلك القائمة بعد الزلزال الذي أحدثه إغتيال رئيس الحكومة رفيق الحريري، من أجل فهم تأثير غياب تيار "المستقبل" على إمكانية "تطيير" هذا الإستحقاق في الفترة الفاصلة عن موعده، خصوصاً أن هذا الإحتمال كان حاضراً في جميع الدورات الإنتخابية الماضية.
في هذا السياق، يمكن الحديث عن 3 إنتخابات نيابية حصلت بعد العام 2005، الأولى في العام نفسه حيث كان التحالف الرباعي الذي قاد إلى حصول هذا الاستحقاق، بالرغم من الإنقسام الكبير بين قوى الثامن والرابع عشر من آذار، الذي كان من الممكن أن يقود إلى "تطييره"، فيما لو لم تحصل هذه التسوية، التي شملت تسمية رئيس الحكومة نجيب ميقاتي، لتولي رئاسة حكومة تتولى الإشراف على الإنتخابات الأولى بعد الإنسحاب السوري.
بعد ذلك، كانت الإنتخابات النيابية في العام 2009 التي جاءت على ضوء تسوية إتفاق الدوحة، بعد أحداث السابع من أيار من العام 2008، حيث كان الإتفاق الذي قاد إلى تكريس معادلة الثلث الضامن أو المعطل في الحكومات، إلى جانب إنتخاب رئيس الجمهورية السابق ميشال سليمان، بعد مرحلة من الفراغ الرئاسي تلت نهاية ولاية الرئيس السابق إميل لحود، أعقبها الخلاف الكبير على ميثاقية حكومة فؤاد السنيورة واعتصام قوى الثامن من آذار و"التيار الوطني الحر" في وسط بيروت.
بعد العام 2009، أدى غياب التسوية السياسية، التي كان يعبر عنها بعدم الإتفاق على قانون جديد للإنتخابات، إلى تأجيل الإستحقاق في مناسبتين، قبل أن تفتح صناديق الإقتراع من جديد في العام 2018، حيث لعبت التسوية الرئاسية، التي قادت إلى انتخاب ميشال عون رئيساً للجمهورية والإتفاق على تسمية سعد الحريري رئيساً للحكومة، دوراً في الإتفاق على قانون جديد يعتمد النظام النسبي للمرة الأولى في تاريخ لبنان، بعد مرحلة طويلة من الفراغ على مستوى رئاسة الجمهورية.
بالعودة إلى الإستحقاق المنتظر في 15 أيار المقبل، يمكن الإنطلاق من الحديث عن أن البلاد أمام إنتخابات، تجمع مختلف القوى السياسية على وصفها بـ"المصيرية"، من المفترض أن تقود إلى إنتخاب رئيس جديد للجمهورية بعد إنتهاء ولاية عون، مع غياب أي مؤشرات على إمكانية الوصول إلى تسوية في وقت قريب، لا بل حضور العديد من المعطيات التي تشير إلى أن الساحة ذاهبة إلى المزيد من التصعيد في الفترة المقبلة.
إنطلاقاً من المعادلات، التي رافقت الإستحقاقات الإنتخابية المذكورة في الأعلى، يصبح من المنطقي الحديث عن أن الإستحقاق المقبل لن يحصل في حال لم يتم التوصل إلى تسوية تسبقه، خصوصاً مع عودة الإنقسام حول تركيبة الحكومة المفترضة، بين من يُصر على أن تكون على قاعدة أكثرية تحكم وأقلية تعارض، ومن يتمسك بالمكتسبات التي حصل عليها بعد إتفاق الدوحة، أي الديمقراطية التوافقية التي تفرض حصول المعارضة على الثلث الضامن أو المعطل.