مع أنّه كان متوقَّعًا، بعد سلسلة تسريبات لم تتوقف في الأسابيع القليلة الماضية، إلا أنّ إعلان رئيس تيار "المستقبل" سعد الحريري تعليق عمله السياسي، والإحجام عن خوض الانتخابات النيابية المقبلة سواء على الصعيد الشخصي أو على مستوى تياره، بدا "صادمًا"، ربما لما أظهره من "انكسار" لدى الرجل، بات معه "عاجزًا" عن إكمال "المسيرة".

وما أن أسدل الحريري الستارة، ولو مؤقتًا، على مسيرته، بمشهدٍ عاطفي وجداني مؤثر، اختلطت معه "الدموع"، حتى كرّت سبحة التعليقات، فأبدى الجميع، من الحلفاء والخصوم، "تعاطفهم وتضامنهم" مع الرجل، وبدأت معها سبحة "التكهّنات" حول الدوافع الحقيقية خلف القرار، وارتباطاته بوجود قرار إقليمي، خليجي تحديدًا، بـ"إزاحته" عن المشهد.
وإذا كان البعض قرأ خلف سطور الخطاب أصلاً رسائل "مباشرة" من الحريري إلى بعض الدول الإقليمية، عبر حديثه عن رفضه مشروع "المواجهة" الذي قد يجرّ البلاد إلى "الحرب"، معتبرًا أنّ منع الاقتتال هو "الإنجاز" الذي حقّقه على مرّ السنوات، فإنّ السؤال الذي ارتسم بعد المؤتمر المقتضب، ماذا بعد الحريري؟ ومن يملأ الفراغ؟.
للإجابة على هذا السؤال، لا بدّ من الانطلاق عبر محاولة فهم الأسباب الحقيقية التي دفعت الحريري إلى اتخاذ قراره، ويشمل ذلك ما أعلنه صراحةً في مؤتمره الصحافي، لكن أيضًا ما تركه مبطنًا خلف السطور، وما بقي مخفيًا، وقد يبقى كذلك لفترة طويلة، إلا في حال قرّر الرجل يومًا ما، أن "يبقّ البحصة" التي وعد بها منذ سنوات ولم يفعل.
يتحدّث العارفون عن مجموعة من العوامل التي أسهمت في اتخاذ الحريري لقراره، تتقاطع بين ما هو شخصيّ، وداخليّ، وخارجيّ، لكنّ أولها وأهمّها، وربما ما يختصر كلّ ما عداه، يبقى العامل الخارجيّ، في ضوء "عجزه" عن مواكبة المشروع الذي "طُلِب" منه خوضه في لبنان، وقوامه "المواجهة" مع النفوذ الإيراني، بقيادة "حزب الله".
لم يعد مثل هذا الأمر خافيًا على أحد منذ فترة، وهو بدأ يظهر بوضوح برأي كثيرين مع الاستقالة الشهيرة التي أعلنها الحريري من العاصمة السعودية الرياض، والتي لا يزال يحيط بها حتى اليوم الكثير من الغموض والالتباس، في ظلّ اعتقاد شريحة واسعة بأنّ الرجل كان "مُكرَهًا" على فعل ما فعله، بدليل تراجعه عن الاستقالة بمجرد عودته إلى لبنان، بعد "وساطات" عابرة للقارات والمحيطات، امتدّت من مصر إلى فرنسا.
ولعلّ "تجربة" الحريري الأخيرة في "محاولة" تشكيل الحكومة جسّدت "الامتعاض" الخليجي منه خير تجسيد، فمع أنّ الرجل سعى أن يحمّل فريق "العهد" مسؤولية فشله في تأليف الحكومة، أدرك الجميع أنّ الحريري كان "يلهث" خلف مباركة سعودية، أو بالحدّ الأدنى غضّ نظر، من دون أن يحصد شيئًا من ذلك، حتى أنّه حاول تأمين لقاء "رفع عتب" مع مسؤول سعودي، ولو من الدرجة العاشرة، لكنّه لم يحصل على مُراده.
ويقول العارفون إنّ مشكلة الحريري مع دول الخليج، وتحديدًا السعودية، تمثّل في "عجزه" عن قيادة المشروع الذي تطلبه هذه القوى من خلال مواجهة "حزب الله"، انسجامًا مع "الأجندة" الإقليمية، في حين أنّ "الشيخ سعد" وجد أنّ مصلحته تكمن في فتح "قنوات اتصال" مع الحزب، من بوابة "تحصين" الساحة ومنع "الفتنة السنية الشيعية"، بل إنّ الحريري تحوّل في لحظة ما إلى "المرشح المفضّل" لـ"حزب الله" لرئاسة الحكومة، على حساب حلفائه.
وإلى جانب هذا العامل، ثمّة عامل آخر قد يكون مرتبطًا أيضًا بعدم الرضا الخليجي عنه، ويتمثّل بافتقاده إلى عنصر المال، حيث وجد نفسه عاجزًا عن "تمويل" نفسه، بعدما "خسر" الكثير على مرّ السنوات، حتى أنّ "الإمبراطورية" التي بناها والده رئيس الحكومة الأسبق رفيق الحريري، بدأت "تنهار" أمام عينيه، حتى إنّ معظم المؤسسات الكبرى التي لطالما شكّلت "عمود" تيار "المستقبل"، في الإعلام وغيره، أقفلت بالشمع الأحمر، إن جاز التعبير.
ومع أهمية هذه العوامل، لا يمكن "نكران" دور القوى الداخلية في دفع الحريري إلى اتخاذ قراره، حيث إنّ معظم من أبدوا "تعاطفهم" معه في اليومين الماضيين، لم يتردّدوا في "عرقلة" مساره، فـ"حزب الله" رغم كلّ العلاقة الودية والمساكنة، لم "يقدّر" ظروفه، وفق ما يقول كثيرون، ولم يكن يتوانى عن إطلاق المواقف التي "تحرجه"، سواء على مستوى "تفضيله"، أو لجهة "الإساءة المتكرّرة" لدول الخليج، بمعزل عن كلّ شيء.
أما "التيار الوطني الحر" الذي ارتبط معه بـ"التسوية الشهيرة" التي رأى فيها كثيرون "بداية النهاية"، فلم يكن أفضل حالاً، حيث تعامل معه بـ"نكد وكيديّة"، وما "تجربة" تكليفه الأخير لرئاسة الحكومة سوى الدليل الأسطع على ذلك، علمًا أنّ شريحة واسعة من القاعدة "العونيّة" لم تتردّد في "الشماتة" من الحريري بعد قرار انسحابه، قبل أن يدلي رئيس "التيار" الوزير السابق جبران باسيل بموقفه "المتضامن" معه.
ويبقى حزب "القوات اللبنانية" الذي يحمّله القريبون من "المستقبل" المسؤولية الكبرى عمّا حصل مع الحريري، ولعلّه سبب "الغضب الساطع" الذي ظهر بعد "تعاطف" رئيسه سمير جعجع معه، حيث وصفه "مستقبليون" بـ"الخبيث" صراحةً. ولا يتردّد هؤلاء "المستقبليون" في القول إنّ جعجع نفّذ "انقلابًا" على الحريري، وسوّق لنفسه أمام الدول الإقليمية، وكأنه قادر على تنفيذ ما "يعجز" هو عنه، وبذلك أصبح "رجل السعودية الأول" في لبنان، وفق ما يصفه البعض.
لكن، أبعد من التكهّن حول الأسباب والدوافع، يبقى الأهمّ برأي كثيرين "استشراف" الآتي، في ضوء "السيناريوهات" المرجَّحة لما بعد "اعتزال" الحريري، والتي تتقاطع بأغلبها عند منطق فتح "فصل جديد من المواجهة"، خصوصًا أنّ "جردة" على الطامحين لـ"وراثته" تُظهِر أنّهم ممّن يتبنّون خيارات "متطرفة"، أو بالحدّ الأدنى أكثر "تطرّفًا"، ولو أنّ البعض يعتقد أنّ "اعتزاله" قد يفتح الطريق في المقابل أمام توسع "النفوذ الإيراني" أكثر.
وإذا كان هناك من يعتقد أنّ الساحة السنية ستكون مفتوحة على "تغييرات جوهرية" في المرحلة المقبلة، حيث قد تشهد ولادة كتل متباينة ومتنوّعة، تملأ الفراغ الذي سيتركه التيار "الأزرق"، ثمّة من يخشى على الأمن الذي قد يصبح في خطر، خصوصًا إذا ما تمّ تكريس "الانقسام العمودي"، وعاد معه "شبح" الفتنة السنية الشيعية ليلوح في الأفق، وغاب "البدلاء" عن لعب دور "المتلقف" للكرة كما كان يفعل الحريري بـ"صداقته" مع رئيس مجلس النواب نبيه بري.
في النتيجة، تبدو الصورة "غامضة ومبهمة" حتى الساعة، بانتظار اتضاح "السيناريو" الفعلي الذي سيسلك طريق "التنفيذ"، وفي ظلّ "التشكيك" بحصول الانتخابات من أساسها. لكنّ الثابت والأكيد أنّ انسحاب الحريري سيترك "أثره الدراماتيكي" على المشهد، ولو أنّ البعض وجدها فرصة لتجديد الدعوة لخروج الجميع، "كلن يعني كلن"!.