إعتادت المكونات اللبنانية على الإصطفاف خلف رموزها السياسية في بلد طائفي، صار كل شيء فيه خاضعاً لحسابات طائفية ومذهبية، خصوصاً في الآونة الأخيرة التي تحكمها بقوة تلك المعايير.

وجد المواطنون أنفسهم مضطرين الى الوقوف في طوابير طائفية، تحت طائلة تهميشهم في بلدهم. لم تقتصر القضية على السياسة وحدها، ولا الادارة فحسب، بل طالت كل جوانب الحياة. انها مأساة لبنان، بينما كان يُفترض فيه ان يمضي نحو مدنية الدولة.
زاد القانون الانتخابي الحالي من طائفية البلد، وارتفعت اسهم خطابات التقوقع. لذا، صار كل رمز للطائفة يُصنف في خانة ضمانة وجودها.
ومن هنا جرى التعامل مع رئيس الحكومة الاسبق سعد الحريري الذي ورث الزعامة السنّية عن والده بعد استشهاده، فصار الرمز الأول لطائفته.
كانت حاولت الحريرية السياسية ان تعبر الطوائف والمذاهب، فنجحت، ثم اخفقت لأسباب عدّة، ابرزها طبيعة النظام الطائفي في لبنان. لكن الحريري لم يستطع التفرّد بقيادة طائفته في العصر الذهبي لتياره، وبقي السنّة يجدّدون او يستولدون زعامات على مستوى المناطق، ولم تقدر الحريرية السياسية انهاء هؤلاء، وعندما اراد الحريري الأب ثم الإبن ان يستوعب او يلغي او يتجاهل البيوت السياسية او الشخصيات الصاعدة، نجح احياناً، وفشل احياناً اخرى.
بقي ال كرامي في موقعهم، لكنهم لم يتجاوزوا حدود طرابلس، بينما تموضع النائب تمام سلام تحت خيمة الحريري البيروتية، اما ال سعد فإستطاعت الحريرية ان تغيّبهم سياسياً قبل ان يفرضوا العودة ضمن صيدا لا غير، فيما اعاد الوزير السابق عبدالرحيم مراد انعاش تياره السياسي في البقاع الغربي حصراً، كما يحاول حالياً النائب فؤاد مخزومي ان يوسّع تمثيله في بيروت لا غير، لكن بيوت سياسية اخرى ذابت تدريجيا الى حدود النسيان.
اذا كان بهاء الحريري يحاول ان يمسك بزمام الساحة الزرقاء، لا يبدو ان تجربته قابلة للحياة، لأن المقاييس تغيّرت. وللبحث صلة في هذا العنوان.
هناك تجربة رئيس الحكومة الحالي نجيب ميقاتي تستحق الاضاءة عليها. اذا كان رئيس تيار "العزم" رفض ان يتمدّد خارج حدود الشمال، لاسباب لا يعلمها الا ميقاتي وحده، قد يكون من بينها رغبته بعدم منافسة او مشاكسة الحريري، فماذا بعد قرار الحريري؟.
قرر رئيس "المستقبل" الاستراحة مع تياره الازرق، وترك مناصرين يحتاجون في بلد كلبنان الى زعيم سياسي: فمن سيكون؟.
بهدوء، وموضوعية، يُمكن استعراض وقائع واحوال كل الزعامات السنّية في الجمهورية اللبنانية: من بمقدوره التزعّم؟
نجح ميقاتي في تحمّل اصعب المسؤوليات الوطنية منذ ترؤس حكومته الاولى عام 2005، مروراً بحكومته الثانية عام 2011، وصولاً الى اكثر المهام خطورة سياسية اي ترؤس الحكومة الحالية لإدارة أسوأ ازمة يمر بها لبنان مالياً واقتصادياً ومعيشياً وسياسياً.
يُعرف عن ميقاتي انه لا يتنازل عن حقوق طائفته، رغم دبلوماسيته ومرونته في التعاطي مع القوى السياسية في لبنان والخارج.
يمكن لأي فريق ان يسجّل ملاحظات على تصرّف او سياسات رئيس الحكومة، لكن لا يمكن وصفه الا بالشجاع الذي لم يهرب من مسؤولية. وبما ان البلد اختبره، وان السنّة في لبنان عرفوه في ازماتهم، فهل يتصدّر لقيادة الطائفة؟.
يعطيه موقعه في رئاسة الحكومة محطة متقدمة، خصوصاً انه يحظى بتمثيل شعبي وازن جداً في طرابلس، وقد بيّنت استطلاعات الرأي انه الاول على مستوى الفيحاء، وان هناك تأييداً له في كل المناطق السنّية.
سيشكل ميقاتي بموقعه وموقفه وقدراته مساحة امان لطائفته، وهو يُترجم القواعد المطبّقة في البلد بالحفاظ على نفوذ طائفته في الدولة ومؤسساتها ضمن اللعبة اللبنانية القائمة.
ستبقى الزعامات السنّية موجودة على مساحات المناطق، كما كانت منذ عقود، وقد تتوالد زعامات اخرى، لكن من يقدر منها ان يمدّ تمثيله وخدماته بشكل عابر للمناطق؟.
سيجتمع المجلس الشرعي الاسلامي السبت المقبل في دار الفتوى، وسيجد اركان الطائفة الاسلامية السنّية انفسهم مضطرين الى تثبيت وجودهم السياسي، في زمن تراجع معنويات الجمهور الازرق، كي لا يُصبح حلم رئيس حزب "القوات" سمير جعجع حقيقة لكسب اصواتهم او توظيف انكساراتهم لصالح مشروعه.