أصدر بنك عودة تقريره الإقتصادي عن الفصل الأول من العام 2022، الذي أشار فيه إلى أن تجنب تقلبية حادة في سعر صرف في الأمد المنظور مرتبط ببرنامج نهائي مع صندوق النقد وإصلاحات جدية ومساعدات خارجية.

وأشار البنك في تقريره أنّ سنة 2022 بدأت في ​لبنان​ بعدد من التطورات الهامة، وعلى الأخص على صعيد إنجاز "اتفاق على مستوى الخبراء" مع صندوق النقد الدولي، وانهاء الأزمة الدبلوماسية مع بلدان الخليج العربي، وبدء العد العكسي للانتخابات النيابية والرئاسية، إلا أنه لفت إلى أنه مع ذلك فإن آفاق الاقتصاد الحقيقي لعام 2022 لا تزال غامضة جداً وتتوقف على الاستحقاقات السياسية القادمة، وإبرام اتفاق نهائي مع صندوق النقد الدولي، وإطلاق جملة اصلاحات بنيوية ومالية وتأمين الدعم الدولي المرجوّ، موضحاً أنه من الممكن أن يسجّل الاقتصاد اللبناني انكماشاً إضافياً بنسبة -6.5% حسبما يتوقّع البنك الدولي، أو نمواً بنسبة +2.5% حسب توقّعات مؤسّسة التمويل الدولية.

على صعيد القطاع الخارجي، سجّل ميزان المدفوعات عجزاً صافياً قيمته 1473 مليون دولار خلال الأشهر الثلاثة الأولى من العام 2022 بالمقارنة مع عجز بقيمة 847 مليون دولار في الفترة نفسها من العام 2021. وقد نتج عجز ميزان المدفوعات في الفصل الأول من هذا العام عن انخفاض الموجودات الخارجية الصافية لدى مصرف لبنان بقيمة 1517 مليون دولار، في حين زادت الموجودات الخارجية الصافية لدى ​المصارف​ والمؤسسات المالية بقيمة 43 مليون دولار. وتظهر آخر إحصاءات الصادرة عن مطار بيروت أن حركة المطار اتسمت بأداء لافت في الأشهر الثلاثة الأولى من العام 2022، إذ ارتفع اجمالي عدد المسافرين بنسبة 104.5% بالمقارنة مع الفترة نفسها من العام 2021 مع عودة حركة الملاحة الجوية نتيجة التخفيف من القيود المرتبطة بجائحة كورونا عالمياً.

على صعيد القطاع العام، أقرّت الحكومة في الأشهر الأولى من العام مشروع موازنة العام 2022، والذي فرض قيوداً على الانفاق ووضع تدابير لتأمين المداخيل بما يتفق مع متطلبات صندوق النقد الدولي، كما جرى إحالته إلى المجلس النيابي للمناقشة والمصادقة عليه. إن المصادقة البرلمانية على مشروع الموازنة يعدّ أحد المتطلبات الرئيسية من أجل التوصل إلى اتفاق نهائي مع صندوق النقد الدولي، ناهيك عن قانون الكابيتال كونترول، وإعادة هيكلة الدين العام، وتعديل قانون السرية المصرفية، والتدقيق بالوضعية الخارجية لمصرف لبنان، ومراجعة الوضعية العامة للمصارف الـ14 الأولى.

على صعيد الوضع النقدي، إنّ الانخفاض الكبير في احتياطيات مصرف لبنان من النقد الأجنبي يأتي في ظل التدخل المتزايد واللافت للمركزي عبر منصة "صيرفة" عملاً بالتعميم رقم 161، في حين أن التدخل المرتبط بالدعم وصل إلى حدوده الدنيا. توازياً، شهد مؤشر أسعار الاستهلاك الصادر عن مؤسسة البحوث والاستشارات ارتفاعا سنوياً نسبته 230% في آذار، وهو أحد أعلى المستويات في الأسواق الناشئة.

على الصعيد المصرفي، ظلت المصارف تشهد ظروفاً تشغيلية صعبة خلال الفصل الأول من العام 2022. إذ ارتفعت قليلاً الودائع المصرفية بالليرة اللبنانية بمقدار 0.7 مليار دولار خلال الأشهر الثلاثة الأولى من العام لتبلغ زهاء 27.3 مليار دولار. أما الودائع بالعملات الأجنبية فتراجعت بمقدار 2.0 مليار دولار لتبلغ زهاء 100.8 مليار دولار. عليه، بلغت نسبة دولرة الودائع 78.7% في آذار 2022 مقابل 79.4% في كانون الأول من العام 2021. في موازاة ذلك، خفّضت المصارف اللبنانية ذممها على القطاع الخاص. فقد انخفضت محفظة التسليفات المصرفية بمقدار 1.8 مليار دولار خلال الفصل الأول من العام لتبلغ زهاء 26.0 مليار دولار في نهاية آذار. ووصلت معدلات الفوائد إلى حدوده الدنيا. علي صعيد الليرة، انخفض معدل الفائدة الوسطي على الودائع من 9.0% في تشرين الأول 2019 إلى 0.9% في آذار 2022. وعلى صعيد الدولار، هبط معدل الفائدة الوسطي على الودائع من 6.6% إلى 0.2% خلال الفترة المغطاة.

وفي ما يتعلق بأسواق الرساميل، سجلت سوق الأسهم نوعاً من الاستقرار بعد الارتفاع الكبير لأسعارها في العام السابق، إذ تراجع مؤشر الأسعار لبورصة بيروت بنسبة 3.1% خلال الفصل الأول من العام بعد أن كان قد ارتفع بنسبة 48.1% في العام 2021 نتيجة القفزات اللافتة في أسعار أسهم "سوليدير". ويأتي هذا الاستقرار النسبي في الأسعار في ظل انخفاض سنوي في أحجام التداول بنسبة 23%، من 66 مليون دولار في الفصل الأول من العام 2021 إلى 51 مليون دولار في الفصل الأول من العام 2022.

في ما يلي تحليل مفصل لتطورات القطاع الحقيقي والقطاع الخارجي والقطاعين العام والمالي خلال الفصل الأول من العام 2022، في حين تتطرق الملاحظات الختامية إلى تقييم ظروف التضخم وآفاقه.

السِّمات الظرفيّة

القطاع الاقتصادي الحقيقي

الزراعة والصناعة

ما زال القطاعان الزراعي والصناعي يعانيان من تداعيات الأزمة الراهنة

استفاد القطاع الزراعي اللبناني من الأحوال المناخية المؤاتية للنشاطات الزراعية خلال السنتين الماضيتين، إلاّ أن تأثير الأزمة الاقتصادية أعاق قدرة المزارعين على الإنتاج.

ويفيد تقرير حديث لمنظمة الأغذية والزراعة الدولية (الفاو) أن المزارعين اللبنانيّين ما زالوا يواجهون انعكاسات الأزمة الاقتصادية. على مستوى الإنتاج، فإن الوضع الزراعي للبلاد يحدّ من الإنتاج الوطني للحبوب. ومع أن الأحوال المناخية كانت مؤاتية نسبياً، فإن إجمالي انتاج الحبوب لعام 2021 يقدَّر بحوالى 134000 طن، أي أقل بنسبة 15% من متوسط إنتاج السنوات الخمس الماضية، وبحجم مماثل لإنتاج عام 2020 الذي كان محدوداً بفعل الأزمة الاقتصادية.

لقد اعتاد العديد من المزارعين، ولا سيّما صغار المزارعين، على مزاولة الزراعة كنشاط ثانوي، خصوصاً في المناطق التي تتيح فرصاً اقتصادية أكبر، حسب منظمة الفاو. لذا، كلّما تراجعت مداخيل القطاعات الاقتصادية الأخرى، تتزايد التبعية حيال الزراعة.

على صعيد المواد الأولية، فإن البذور والأسمدة ومبيدات الحشرات متوافرة، إنما بأسعار عالية. وبما أن المُدخلات الزراعية مستوردة، فإن الهبوط المتواصل لسعر صرف الليرة اللبنانية في السوق السوداء يزيد الكلفة بالعملة الوطنية. وعليه، أدّى تراجع قيمة العملة المحلية الى ارتفاع كبير في أسعار الأسمدة المستوردة من الأسواق الدولية، والمحرّرة بالدولار الأميركي.

إضافةً الى ذلك، أدّى النقص في المحروقات، بسبب إلغاء الدعم عنها، الى انعكاسات سلبية على العمليات الزراعية الممكننة كما على إيصال المنتجات الى الأسواق. وفي الوقت الذي تُشترى معظم المواد الأولية الزراعية بالدولار الأميركي، لا تزال المنتجات الزراعية تُباع بالعملة المحلية، بحيث أن الهبوط المتواصل لقيمة هذه الأخيرة يلغي كل ربح محقَّق. ثمّ أن القدرة الشرائية المحدودة للمستهلكين وضعت سقفاً لزيادات أسعار البيع بالمفرَّق.

أما على صعيد القطاع الصناعي، فإن تقلّب سعر الصرف والارتفاع المتواصل لأسعار المواد الأولية والمحروقات تركا بالإجمال أثراً سلبياً كبيراً على هذا القطاع. فالأزمة الاقتصادية أحدثت خللاً في تموين لبنان بالمواد الأساسيّة، حسب الصندوق الإنساني اللبناني. وجاءت الأزمة الأوكرانية لتُفاقِم هذا الوضع، جرّاء اختلال التموين بالقمح. من هنا، لا بدّ من تقييم الأسواق، بالتركيز على فعاليّة سلسلة التموين، لفهم حجم هذه الأزمة التموينية بالمعنى الواسع.

1-1-2-البناء

القطاع العقاري اللبناني يشهد نمواً لافتاً هذه السنة

في الشهرين الأولين من العام 2022، سجّل القطاع العقاري اللبناني نمواً ملحوظاً، سواء على مستوى الطلب أم على مستوى العرض، بالرغم من الأزمة الاقتصادية والمالية الراهنة.

فمن ناحية الطلب، ارتفع عدد عمليات البيع من 2071 عملية في الشهرين الأولين من العام 2021 الى 17997 عملية في الفترة ذاتها من العام 2022 حسب آخر الإحصاءات الصادرة عن المديرية العامة للمساحة والسجلّ العقاري.

توازياً، سجّلت قيمة المبيعات العقارية ارتفاعاً بنسبة 829.3% لتصل الى 2697.5 مليون دولار أميركي في الفترة ذاتها من العام 2022. لقد طاول هذا الإرتفاع كلّ المناطق، إلاّ أن الزيادات الأبرز في قيمة المبيعات كانت تلك المسجّلة في الشمال والنبطيّة والمتن. في هذا السياق، ارتفع متوسط قيمة الصفقة العقارية من 140158 دولاراً أميركياً في الشهرين الأولين من 2021 الى 149885 دولاراً في الفترة ذاتها من السنة الحالية.

وفي ما يخصّ توزّع قيمة المبيعات العقارية، لا تزال بيروت تستأثر بالحصة الأكبر منها، وهي 27.5% تليها منطقة الجنوب (15.9%) ثمّ كسروان (15.4%) فالمتن (11.6%).

في الوقت ذاته، ارتفعت قيمة الرسوم العقارية المستوفاة بما نسبتُه 642.4% على أساس سنوي، بارتفاعها من 21.3 مليون دولار أميركي في الشهرين الأولين من العام 2021 الى 157.9 مليون دولار في الفترة ذاتها من العام 2022.

أما من ناحية العرض، فإن مساحات رخص البناء التي تُعدّ مؤشّراً غير مباشر على مشاريع البناء المستقبلية، شهدت ازدياداً كبيراً، إذ تُبيّن آخر الإحصاءات الصادرة عن نقابتَيْ المهندسين في بيروت وطرابلس أن مساحات رخص البناء الجديدة واصلت في الشهرين الأولين من السنة الجارية ارتفاعها المسجّل في العام 2021، إنما بوتيرة أسرع.

وبالتفصيل، ارتفعت مساحة رخص البناء بنسبة تفوق الـ100% سنوياً في الشهرين الأولين من العام 2022. ففي الواقع، شملت رخص البناء الجديدة مساحة قدرها 1851847 متراً مربّعاً في الشهرين الأولين من العام 2022 مقابل 342961 متراً مربّعاً في الشهرين من العام 2021. وقد أعقب ذلك تراجعاً سنوياً بنسبة 35.4% سُجّل في الفترة ذاتها من العام 2021، في ذروة انتشار جائحة كورونا.

وفي ما يخصّ التوزّع العام لرخص البناء، فإن محافظة جبل لبنان ما زالت تستأثر بحصة الأسد من مجموع مساحات الرخص الجديدة الممنوحة في الشهرين الأولين من العام 2022 (31.5%)، تليها محافظة لبنان الجنوبي (23.6%) ثم لبنان الشمالي (23.3%) فالنبطيّة (10.8%) فالبقاع (10.1%) وبيروت (0.8%).

باختصار، يبدو أن قطاع العقار والبناء اللبناني قد صمد إزاء انخفاض القدرة الشرائية والأزمة المالية والاقتصادية المتمادية.

1-1-3- التجارة والخدمات

تفاوت في أداء مكوّنات القطاع الثالث

شهد قطاع التجارة والخدمات في لبنان تحسّناً في أداء الفنادق والنقل الجوي خلال الفصل الأول من العام 2022 لكنّ حركة المرفأ ظلّت ضعيفة والشيكات المتقاصّة تراجعت ذاك أن البلاد ظلت تعاني على صعيد الإنفاق في الوقت الذي يواصل سعر صرف الليرة اللبنانية تدهوره مقلّصاً القدرة الشرائية للّبنانيّين المقيمين.

على صعيد حركة المطار، تدلّ أرقام مطار رفيق الحريري الدولي أن عدد المسافرين سجّل في الفصل الأول من العام 2022 تحسّناً بنسبة 104.5% على أساس سنوي. كما ازداد عدد الرحلات الجوية بنسبة 58.1% في الفترة المذكورة. وبالتفصيل، ارتفع عدد المسافرين القادمين بنسبة 118.5% وعدد المسافرين المغادرين بنسبة 93.5% على أساس سنوي ليبلغا على التوالي 514736 مسافراً و582790 مسافراً في الأشهر الثلاثة الأولى من العام 2022. أما المسافرون العابرون فانخفض عددهم بنسبة 49.6% على أساس سنوي ليبلغ 6402 راكباً في الفترة المذكورة. وعليه، بلغ العدد الإجمالي لمستخدِمي المطار 1103928 شخصاً، أي بزيادة نسبتُها 100.9%.

وفي ما يخصّ حركة الطيران، ازداد عدد كل من رحلات الطيران القادمة والمغادرة بنسبة 58.1% على أساس سنوي، ليبلغ الأول 5131 رحلة والثاني 5130 رحلة في الفصل الأول من العام 2022. أما في ما يتعلّق بحجم عمليات الشحن عبر المطار في الفترة ذاتها، فقد تمّ استيراد وتفريغ 6497 ألف طن مقابل تحميل وتصدير 6710 آلاف طن.

وبحسب " التحقيق حول القطاع الفندقي في الشرق الأوسط " الذي تجريه مؤسّسة إرنست إند يونغ، فقد سجّل أداء الفنادق من فئتي 4 و5 نجوم في الشهرين الأولين من العام 2022 تحسّناً ملحوظاً في نسبة الإشغال والمردود بينما تراجع متوسط أسعار الغرف. ففي الواقع، بلغ معدل إشغال فنادق العاصمة اللبنانية من فئتَيْ 4 و5 نجوم 39.0% في الشهرين الأولين من العام 2022 مقابل 23.6% في الفترة ذاتها من العام 2021.

على صعيد المرفأ، تظهر آخر الإحصاءات الصادرة عن مرفأ بيروت أن عدد الحاويات ارتفع في الشهرين الأولين من العام 2022 بنسبة 5.1% على أساس سنوي ليبلغ 130612 حاوية، فيما انخفض عدد البواخر الراسية في المرفأ بنسبة 9.0% على أساس سنوي ليبلغ 283 باخرة في الشهرين الأولين من العام 2022. وعليه، انخفض حجم البضائع بنسبة 1.2% ليبلغ 1256 ألف طن في الشهرين الأولين من العام 2022 بعدما كان قد ارتفع بنسبة 12.4% في الفصل الأول من العام 2021.

أخيراً، على صعيد الإنفاق المحلّي، فإن القيمة الإجمالية للشيكات المتقاصة، والتي تشكّل مؤشّراً على الإنفاق الإستهلاكي والإستثماري في الإقتصاد اللبناني، انخفضت بنسبة 14.7% في الفصل الأول من العام 2022 فيما لا تزال القدرة الشرائية للأُسَر اللبنانية آخذة في التراجع، بفعل انعكاسات ارتفاع أسعار النفط والسلع الغذائية المرتبطة بالحرب الروسية-الأوكرانية. وقد بلغت قيمة الشيكات المتقاصة 8526 مليون دولار أميركي في الفصل الأول من العام 2022 مقابل 9997 مليون دولار أميركي في الفترة ذاتها من العام 2021. ويبيّن توزّع هذه الشيكات حسب نوع العملة أن قيمة الشيكات المحرَّرة بالليرة اللبنانية بلغت 8340 مليار ليرة (+33.3%) في الفترة المذكورة من العام 2022 فيما بلغت قيمة الشيكات المحرّرة بالدولار الأميركي 2994 مليون دولار (-48.8% على أساس سنوي). توازياً، بلغ العدد الإجمالي للشيكات المتقاصّة 565271 شيكاً في الفصل الأول من العام 2022 مقابل 911875 شيكاً في الفترة ذاتها من العام 2021، أي بتراجع نسبتُه 38.0%. وعليه، يكون متوسط قيمة الشيك المتداول في المقاصة قد ارتفع بنسبة 37.6% على أساس سنوي ليبلغ 15084 دولاراً أميركياً في الفصل الأول من العام 2022. أما قيمة الشيكات المرتجعة فبلغت 77 مليون دولار أميركي في الفترة المعنيّة بهذا التقرير، أي بانخفاض نسبتُه 43.7% على أساس سنوي، فيما انخفض عدد هذه الشيكات المرتجعة من 8522 شيكاً في الفصل الأول من العام 2021 الى 4156 شيكاً في الفترة ذاتها من العام 2022.

القطاع الخارجي

اتساع العجز التجاري بعد تقلصه في السنة السابقة

مع أن إحصاءات التجارة الخارجية للأشهر الأولى من العام 2022 لم تتوافر بعد، فإن سنة 2021 اتّسمت بازدياد واضح للواردات وبارتفاع ضئيل للصادرات، ما أدّى الى اتّساع العجز التجاري بعد تقلّصه في السنة السابقة. ففي الواقع، ارتفعت قيمة الواردات بنسبة 20.6% في العام 2021، وتحديداً من 11.3 مليار دولار أميركي االى 13.6 مليار دولار. وارتفعت الصادرات بنسبة 9.7% من 3.5 مليار دولار أميركي الى 3.9 مليار دولار. ومن جرّاء ذلك، ارتفع العجز التجاري للبنان من 7.8 مليار دولار أميركي الى 9.8 مليار دولار، أي بما نسبتُه 25.6%.

وبالتفصيل، يبيّن توزّع الواردات حسب أنواع السلع والمنتجات في العام 2021، وبالمقارنة مع نظيره في العام 2020، انخفاض الواردات من السلاح والمدفعية بنسبة 22.3%، يليه انخفاض الواردات من الماشية ومنتجات المملكة الحيوانية بنسبة 19.4% ثمّ المنتجات الكيميائية (-13.3%). في المقابل، يلاحَظ أن أهم الأصناف التي سجّلت وارداتها زيادة كبيرة هي التحف (+237.5%) تليها السيارات والمركبات (+137.8%) ثم الأخشاب والمنتجات الخشبية (+68.3%) فالزيوت والشحوم (+55.4%).

أما توزّع الواردات حسب بلدان المنشأ وأهم شركائنا التجاريّين في الفترة ذاتها، فيُظهر أن تلك الآتية من الكويت كانت الأكثر تراجعاً نسبياً (-48.1%) تلتها الواردات من الإمارات العربية المتحدة (-45.4%) ثم من هولندا (-44.5%) فمن البرازيل (-19.8%) فمن الولايات المتحدة الأميركية (-18.1%). أما الواردات الأكثر نمواً فكانت تلك الآتية من كوريا الجنوبية (+100%) ثمّ من تركيا (+77.7%) فمن الهند (+74.1%) والصين (+68.9%) واليابان (+61.0%).

في المقابل، يبيّن توزّع الصادرات حسب أنواع السلع والمنتجات في العام 2021، وبالمقارنة مع مثيلتها في العام 2020، تراجع الصادرات من المنتجات المنجميّة بنسبة 50.4%، تليها الصادرات من الأدوات السمعية –البصرية (-41.0%) ثمّ من الأحذية والقبّعات والريش (-40.7%) فمن الزيوت والشحوم (- 37.9%) والمجوهرات (-27.8%). وتجدر الإشارة الى أن المجوهرات شكّلت القسم الأكبر من الصادرات الإجمالية (26.2%). كما نشير أيضاً الى أن الصادرات من الأخشاب والمنتجات الخشبية زادت بنسبة 114.3%، تلتها الصادرات من الخضراوات بنسبة +113.7%، فالصادرات من المعادن والمنتجات المعدنية (+51.6%) ثم من الإسمنت والمنتجات الحجرية (+40.9%).

أما توزّع الصادرات حسب بلدان المقصد في العام 2021، وبالمقارنة مع مثيلتها في العام 2020، فيُظهر أن الصادرات الى سويسرا شهدت التراجع الأكبر نسبياً (-59.7%)، تليها الصادرات الى المملكة العربية السعودية (-43.1%) ثم الى الجزائر (-41.2%). في المقابل، زادت الصادرات الى الإمارات العربية المتحدة بنسبة 87.8% فإلى كوريا الجنوبية (+87.5%) فمصر (+76.5%) فشاطىء العاج (+65.8%).

وتجدر الإشارة الى أن الصادرات عبر مرفأ بيروت شكّلت القسم الأكبر من الصادرات الإجمالية، إذ بلغت قيمتها 2.0 مليار دولار أميركي في العام 2021، أي بزيادةٍ نسبتُها 44.1% مقارنةً مع صادرات العام 2020، تلتها الصادرات عبر المطار، والتي بلغت قيمتها 1.3 مليار دولار في العام 2021، أي بتراجع نسبتُه 23.4% مقارنةً مع السنة السابقة. تأتي بعدها الصادرات عبر مرفأ طرابلس (291 مليون دولار، بزيادةٍ نسبتُها 60.8%). أخيراً، بلغت قيمة الصادرات المرسلة برّاً عبر سورية 181 مليون دولار في العام 2021، بتراجع نسبتُه 8.6% مقارنةً مع السنة السابقة.

1-3-القطاع العام

تحسّن لافت في المالية العامة

بحسب أرقام المالية العامة المنشورة من قبل وزارة المالية للأشهر التسعة الأولى من العام 2021 (آخر المعطيات المتوافرة)، يتبيّن أن الرصيد الإجمالي يسجّل فائضاً صافياً بقيمة 455 مليار ليرة لبنانية مقابل عجز بقيمة 3944 مليار ل.ل. في الفترة ذاتها من العام 2020. وإذا حسمنا خدمة الدين، يصبح الفائض الأولي بقيمة 2571 مليار ليرة لبنانية في الأشهر التسعة الأولى من العام 2021 مقابل 1713 مليار ل.ل. في الفترة ذاتها من العام 2020.

ونتج هذا الفائض عن ارتفاع الإيرادات بنسبة 31.6% وانخفاض النفقات بنسبة 7.3% في الأشهر التسعة الأولى من العام 2021 مقارنةً مع الفترة ذاتها من العام 2020. فقد ارتفعت الإيرادات العامة من 10564 مليار ل.ل. الى 13901 مليار ل.ل. فيما انخفضت النفقات العامة من 14508 مليار ل.ل. الى 13446 مليار ل.ل.

إن ارتفاع ايرادات المالية العامة هو نتيجة ازدياد ايرادات الموازنة بنسبة 38.1% فيما انخفضت ايرادات الخزينة بنسبة 17.2%. وازدياد ايرادات الموازنة عائد الى ارتفاع الإيرادات الضريبية بنسبة 35.8% مقابل ازدياد الإيرادات غير الضريبية بنسبة 48.9%. وازدياد الإيرادات الضريبية ناتج عن ارتفاع ايرادات الضريبة على القيمة المضافة بنسبة 115.4% والإيرادات الجمركية بنسبة 21.5% والضرائب العقارية بنسبة 13.1%، بينما زادت الإيرادات الضريبية المختلفة بنسبة 19.6% في الفترة المعنيّة. في المقابل، يتّضح أن الارتفاع الكبير للإيرادات غير الضريبيّة ناجم كلياً عن إيرادات قطاع الاتصالات التي زادت بنسبة 115.2% بين الفترتين المذكورتين.

أما انخفاض نفقات المالية العامة فهو ناجم بخاصة عن انخفاض نفقات الموازنة بنسبة 6.6% فيما تراجعت نفقات الخزينة العامة بنسبة 12.8% إبّان الفترة. وتجدر الإشارة الى أن انخفاض نفقات الموازنة عائد الى انخفاض سلفات الخزينة لمؤسسة كهرباء لبنان بنسبة 31.5% وانخفاض الفوائد بنسبة 5.7%. ففي الواقع، انخفضت الفوائد على العملات الأجنبية بنسبة 78.6% (خصوصاً بسبب توقف الدولة اللبنانية عن الدفع في آذار من العام 2020)، بينما ارتفعت الفوائد على الليرة اللبنانية بنسبة 2.6%.

في هذا السياق، باشر المجلس النيابي مناقشة مشروع موازنة العام 2022، والبلاد على سباق مع الوقت في سبيل إقرار هذا المشروع. ولكن، تجدر الإشارة الى وجوب أن ترافق موازنة العام 2022 رؤيةٌ طويلة الأمد حول الإصلاح المالي الهادف الى الخفض التدريجي لحاجات الدولة التمويلية بشكل عام.

1-4-1- الوضع النقدي

تدهور جديد لسعر صرف الليرة إزاء الدولار الأميركي في السوق الموازية، ونقص حادّ في السيولة بالعملة الوطنية

عند إعداد هذا التقرير، شهدت سوق القطع الموازية تدهوراً جديداً في سعر صرف الليرة اللبنانية إزاء الدولار الأميركي، وذلك خصوصاً بسبب الغموض المتزايد الذي يحيط بالآفاق النقدية التي قد تعقب الإنتخابات النيابية وبقدرة لبنان على تلبية متطلّبات صندوق النقد الدولي وإقرار الإصلاحات البنيوية الضرورية. وقد لجم هذا التدهور مفاعيل التدابير الإستثنائية المتّخذة من قبل مصرف لبنان، والرامية أساساً الى لجم التقلّبات في سعر صرف الليرة اللبنانية. في موازاة ذلك، عانت السوق النقدية من نقص حادّ في السيولة بالعملة الوطنية هذه السنة، ما رفع كلفة الكاش بالليرة الى مستويات غير مسبوقة.

فقد عاودت الليرة اللبنانية مؤخّراً تراجعها إزاء الدولار الأميركي في سوق الصرف الموازية، بحيث لامس سعرها 28000 ل.ل./الدولار الواحد في أواخر نيسان المنصرم. وجاء ذلك بعد تحسّن مهم في سعر صرف الليرة/الدولار بلغت نسبته 28% في الفصل الأول من العام 2022 (23750 في نهاية آذار 2022) وهو يُعزى بخاصة الى التعميم الأساسي رقم 161 الذي أصدره مصرف لبنان بتاريخ 16 كانون الأول 2021 والى الإجراءات الاستثائية التي اتّخذها مصرف لبنان في 11 كانون الثاني 2022، والتي أجازت للمصارف شراء ما ترغب من أوراق نقدية بالدولار الأميركي من المصرف المركزي بسعر منصّة "صيرفة" دون سقف محدد.

في هذا السياق، لوحظ أن الفرق بين سعر الليرة/الدولار في السوق الموازية وسعره على منصّة "صيرفة"، والذي لم يكن ذا شأن في الفصل الأول من العام 2022، عاد الى الإتّساع في نيسان 2022. ونظراً الى الوضع الاقتصادي والمالي الصعب، والى الفقدان التام للثقة، وتقلّص التدفقات المالية الوافدة وتراجع احتياطيّات القطع الأجنبي، والى كون تدابير مصرف لبنان الاستثنائية تشارف على نهايتها فيما لا يزال لبنان ينتظر إقرار القوانين الإصلاحية اللازمة للحصول على اتفاق نهائي مع صندوق النقد الدولي، فإنه من المرجّح أن تشهد سوق الصرف الموازية ضغوطاً في الأمد القصير، بحيث تخسر الليرة اللبنانية المزيد من قيمتها إزاء الدولار الأميركي. وفي هذا الإطار، يجدر التذكير بما أعلنته وكالة " موديز" في تقرير حديث لها، ومفاده أنها لا تتوقّع تحسّناً مستداماً لديناميكيّة العملة والتضخّم بدون اتفاق مع صندوق النقد الدولي يفسح المجال أمام دعم خارجي مرتبط بتنفيذ إعادة هيكلة كاملة للدين.

لقد مكّنت التدابير الإستثنائية التي اتّخذها مصرف لبنان من الحدّ موقّتاً من تقلّبات سعر العملة في سوق الصرف الموازية. غير أن هذه التدابير أدّت الى نقص حادّ في السيولة بالعملة الوطنية في السوق النقدية. وتبيّن أرقام المصرف المركزي أن حجم " النقد المتداول خارج مصرف لبنان" تقلّص كثيراً، وبمقدار 9000 مليار ليرة في الفصل الأول من العام 2022، متراجعاً من 46000 مليار ليرة في نهاية 2021 الى 37000 مليار ليرة في نهاية آذار 2022. وقد جاء ذلك بعد نمو كبير لحجم " النقد المتداول خارج مصرف لبنان" بما يقارب 15000 مليار ليرة عام 2021، جرّاء السحوبات من الودائع بالليرة وتعميمَيْ مصرف لبنان رقم 151 و158. وبما أن السيولة بالعملة الوطنية ظلّت تتقلّص في سوق النقد خلال الفصل الأول من العام 2022، فإن كلفة الكاش بالليرة اللبنانية تضاعفت خمس مرّات، بارتفاعها من 5% في نهاية العام 2021 الى 25% في نهاية آذار 2022، حتى أنها تجاوزت 30% عند إعداد هذا التقرير.

توازياً، واصلت احتياطيّات القطع الأجنبي هبوطها في الفصل الأول من العام 2022، مع استمرار مصرف لبنان في الغرف من الاحتياطيّات الموجودة لديه لتلبية الطلب على العملات الأجنبية. وعليه، انخفضت الموجودات الخارجية للمصرف المركزي الى 16.5 مليار دولار أميركي في نهاية آذار 2022 مقابل 17.8 مليار دولار أميركي في نهاية العام 2021، أي بتراجع قدره 1.3 مليار دولار بعد تراجعه بقيمة 6.3 مليار دولار على مدى السنة الماضية بكاملها. وإذا استثنينا سندات اليوروبوندز المملوكة من مصرف لبنان، والمقدّرة بخمسة مليارات دولار، والتسهيلات الممنوحة من البنك المركزي للمصارف التجارية، تتدنّى احتياطيّات القطع السائلة لدى مصرف لبنان الى حوالى 11 مليار دولار في نهاية آذار 2022. والواقع أن انخفاض احتياطيّات القطع السائلة يندرج في سياق التنقيد المتواصل للعجز، والتدخّل في سوق الصرف وتمويل منصّة " صيرفة".

في موازاة ذلك، وإزاء استحقاقات إجمالية بقيمة 4529 مليار ليرة لبنانية، بلغت الإكتتابات الإجمالية للنظام المالي بسندات الخزينة بالليرة 3573 مليار ليرة في الفصل الأول من العام 2022، وقد مُنحت بكاملها للمصرف المركزي، ما أدّى الى عجز اسمي بقيمة 956 مليار ليرة لبنانية في الفترة المعنيّة بهذا التقرير، وهو الأول منذ العام 2003.

وفي ما يخصّ المحفظة الإجمالية لشهادات الإيداع بالليرة، فقد ظلّت مستقرّة نسبياً في الفصل الأول من العام 2022 حيث انخفضت من 43177 مليار ليرة في نهاية كانون الأول 2021 الى 43160 مليار ليرة في نهاية آذار 2022. وقد جاء هذا الانخفاض عقب تقلّص كبير بقيمة 2034 مليار ليرة عام 2021.

وبالنسبة الى المستقبل، يواجه لبنان مهمة صعبة تتمثّل خصوصاً بتوحيد مختلف أسعار الصرف القائمة منذ اندلاع الأزمة. وهذه إحدى الإجراءات الثمانية المطلوبة من صندوق النقد الدولي قبل نيل موافقة إدارة الصندوق ومجلس إدارته على آلية إقراض ممتدّة على 46 شهراً بقيمة 3 مليارات دولار أميركي. ولا بدّ من التذكير بأنه يتعيّن على لبنان أن يستجيب لمتطلّبات صندوق النقد وأن ينفّذ الإصلاحات الضرورية من أجل استعادة الثقة واجتذاب تدفّقات مالية.

1-4-2- النشاط المصرفي

الودائع تتراجع بـ40 مليار دولار والقروض تنخفض بـ28 مليار دولار منذ تشرين الأول 2019

يُظهر تحليلنا للقطاع المصرفي منذ بداية الأزمة المالية في لبنان، أي منذ تشرين الأول 2019 لغاية آذار 2022، الاتجاهات التالية:

انخفاض تراكمي لمجموع الودائع بقيمة 40.3 مليار دولار أميركي في ظلّ عمليات سحب وعمليات سداد للقروض: فودائع الزبائن انخفضت من 168.4 مليار دولار في نهاية تشرين الأول 2019 الى 128.1 مليار دولار في نهاية آذار 2022، أي بما نسبتُه 23.9%. وقد تراجعت ودائع المقيمين بقيمة 28.8 مليار دولار فيما تراجعت ودائع غير المقيمين بقيمة 11.5 مليار دولار. أما الودائع بالنقد الأجنبي فتقلّصت بقيمة 22.8 مليار دولار في غضون سنتين ونصف سنة لتبلغ 100.8 مليار دولار، بينما انخفضت الودائع بالليرة بقيمة 26.1 تريليون ل.ل. لتبلغ 41.1 تريليون ل.ل. في نهاية آذار 2022. ومن جرّاء ذلك، ارتفعت نسبة دولرة الودائع من 73.4% في تشرين الأول 2019 الى 78.7% في آذار 2022.

انخفاض تراكمي لمجموع التسليفات بقيمة 28.2 مليار دولار أميركي في إطار الجهود المبذولة لتقليص مديونية المصارف: فالمصارف اللبنانية خفّضت مديونيّتها الى حدّ كبير منذ بداية الأزمة، وقد انخفضت محفظة التسليفات من 54.2 مليار دولار الى 26.0 مليار دولار، أي بما نسبتُه 52%. ويشكّل تسديد القروض 70% من تقلّص الودائع في خلال عامين ونصف. فالقروض بالنقد الأجنبي انخفضت بقيمة 23.7 مليار دولار بينما انخفضت القروض بالليرة اللبنانية بقيمة 6.7 تريليون ل.ل. في سنتين ونصف سنة. ومن جرّاء ذلك، تراجعت نسبة دولرة التسليفات من 70.4% في تشرين الأول 2019 الى 55.4% في آذار 2022.

انخفاض تراكمي لمعدلات الفائدة على الودائع بالليرة بمقدار 816 نقطة ساس ولمعدلات الفائدة على الودائع بالدولار الأميركي بمقدار 645 نقطة أساس، بحيث تراجع معدل الفائدة الوسطي على الودائع بالليرة من 9.03% في نهاية تشرين الأول 2019 الى 0.87% في نهاية آذار 2022، بينما تراجع معدل الفائدة الوسطي على الودائع بالدولار من 6.61% الى 0.16% في الفترة ذاتها. أما الفرق بين معدل الفائدة على الودائع بالدولار الأميركي ومعدل ليبور لثلاثة أشهر فقد قارب الصفر في آذار 2022، مقابل 4.71% في تشرين الأول 2019.

انخفاض تراكمي لسيولة المصارف بالنقد الأجنبي في الخارج بقيمة 4.3 مليار دولار أميركي: فذمم المصارف اللبنانية على القطاع المالي غير المقيم هبطت من 8.4 مليار دولار في نهاية تشرين الأول 2019 الى 4.1 مليار دولار في نهاية آذار 2022. ويعود ذلك الى استخدام المصارف بشكل مكثّف لسيولتها الخارجية من أجل تمويل سحوبات الزبائن النقدية في بداية الأزمة، ومؤخّراً إثر صدور تعميم مصرف لبنان رقم 158.

انخفاض تراكمي لمحفظة سندات اليوروبوندز المملوكة من المصارف بقيمة 10.3 مليار دولار أميركي في ظلّ مبيعات محلّية صافية وعمليات رصد للمؤونات: فقد بلغت محفظة سندات اليوروبوندز لدى المصارف اللبنانية 4.5 مليار دولار في نهاية آذار 2022 مقابل 14.8 مليار دولار في نهاية تشرين الأول 2019. ويُعزى تقلّص هذه المحفظة الى مبيعات صافية لسندات اليوروبوندز بخسارة، لا سيّما خلال الأشهر الأولى من الأزمة، إضافةً الى متطلّبات رصد المؤونات المرتفعة التي فرضتها السلطات النقدية على محافظ سندات الدين.

انخفاض تراكمي لمجموع الأموال الخاصة بقيمة 4.4 مليار دولار أميركي في ظلّ خسائر صافية تكبّدتها المصارف: فالأموال الخاصة تراجعت من 20.6 مليار دولار في نهاية تشرين الأول 2019 الى 16.2 مليار دولار في نهاية آذار 2022، بسبب الخسائر الصافية التي تكبّدتها المصارف إبّان هذه الفترة. ويعود تراجع الأموال الخاصة هذا الى الخسائر التي تكبّدتها المصارف من جرّاء تكاليف الصرف (الفرق بين سعر الصرف وفق تعميم مصرف لبنان رقم 151 وسعر الصرف الرسمي)، وارتفاع الأعباء التشغيلية العائدة الى ارتفاع التضخّم، إضافةً الى المؤونات الكبيرة المرصودة تحسّباً للمخاطر السيادية ولمخاطر القطاع الخاص.

1-4-3- سوق الأسهم والسندات

استقرار أسعار الأسهم اللبنانية بعد ارتفاعها الكبير في السنة الماضية، وبقاء أسعار سندات الدين على أدنى مستوياتها

سجّلت سوق الأسهم اللبنانية نوعاً من الإستقرار في الفصل الأول من العام 2022 بعد الارتفاع الكبير لأسعارها في السنة الماضية، حيث سعى بعض المتعاملين في هذه السوق الى تحقيق أرباح اسمية عقب ارتفاع أسعار السوق السوداء وقرار مصرف لبنان برفع سعر الصرف للسحوبات النقدية من الودائع بالدولار. من جهة أخرى، تراجعت أسعار سندات اليوروبوندز اللبنانية الى أدنى مستوياتٍ لها في نهاية آذار 2022، حيث فقدت 90% من قيمتها الإسمية، في انتظار برنامج الإصلاح الإقتصادي والمالي الشامل الذي من شأنه أن يجبه التحدّيات التي يواجهها لبنان وأن يستجيب لمتطلّبات صندوق النقد الدولي.

ففي التفاصيل، أقفلت سوق الأسهم اللبنانية الفصل الأول من العام 2022 على إشارة سلبية، كما يُستدلّ من تراجع مؤشّر بورصة بيروت بنسبة 3.1%، وذلك بخاصة نتيجة عمليات جني الأرباح بعد الإرتفاع المذهل المسجّل في السنة الماضية (+48.1%). وقد نجم هذا التطور بوجه خاص عن قرار مصرف لبنان المتَّخذ بتاريخ 9 كانون الأول 2021، والقاضي برفع سعر الصرف للسحوبات من الودائع بالدولار من 3900 ل.ل. الى 8000 ل.ل.، وعن انتعاش سعر صرف الليرة إزاء الدولار الأميركي في السوق السوداء خلال الأشهر الثلاثة الأولى من العام 2022.

ويبيّن تحليل أكثر تعمّقاً لأداء الأسهم الإفرادية أن 7 من أصل الأسهم الـ 14 المتداولة سجّلت ارتفاعاً في أسعارها بينما ظلّت أسعار 5 أسهم بلا أيّ تغيير في الفصل الأول من العام 2022. وقد انخفضت أسعار أسهم سوليدير من الفئتين " أ " و "ب" بنسبة 2.7% و4.2% على التوالي لتقفل على 31.76 دولاراً و31.92 دولاراً على التوالي في نهاية آذار 2022. وفي ما يخصّ أسهم المصارف، فإن أسعار الأسهم وايصالات الإيداع العمومية العائدة ل​بنك عوده​ والأسهم التفضيلية لبنك عوده من فئة "I" وأسهم بنك لبنان والمهجر العادية وبنك بيبلوس العادية سجّلت تراجعاً راوحت نسبته بين 1.2% و21.3%، بينما لم يطرأ أي تغيّر على أسعار خمسة أسهم مصرفية. وقد أدّى ذلك الى انخفاض أسعار الأسهم المصرفية بمعدل وسطي قدره 2.2% في الفصل الأول من العام 2022. أما في فئة الأسهم الصناعية، فقد سجّلت أسهم شركة "الإسمنت الأبيض اسمي" ارتفاعاً قوياً بلغت نسبته 20.0% تلتها أسهم شركة "هولسيم لبنان" (+18.9%).

وترافقت قفزات الأسعار في بورصة بيروت خلال الفصل الأول من العام 2022 مع تراجع تقلّبيّة الأسعار. فهذه التقلّبية، التي تُـقاس بنسبة الفارق المعياري للأسعار/متوسط الأسعار، بلغت 1.2% في بورصة بيروت في الفصل الأول من العام 2022 مقابل تقلّبيّة أعلى بكثير بلغت نسبتُها 8.2% في الفترة ذاتها من العام 2021.

في موازاة تراجع أسعار الأسهم، وفي ظل غياب أيّ عملية إدراج أو شطب، انخفض أيضاً حجم الرسملة البورصية بنسبة 3.1% في الفصل الأول من العام 2022، بتراجعه من 10625 مليون دولار أميركي في نهاية كانون الأول 2021 الى 10300 مليون دولار في نهاية آذار 2022. وبلغت القيمة الإجمالية لعمليات التداول في بورصة بيروت 50.9 مليون دولار أميركي في الفصل الأول من العام 2022 مقابل 65.8 مليون دولار في الفترة ذاتها من العام 2021، أي بانخفاضٍ نسبتُه 22.7%، علماً أن أسهم سوليدير استأثرت بحصة الأسد من نشاط البورصة (91.0%)، تلتها أسهم المصارف (8.5%) ثم الأسهم الصناعية (0.5%). ومن جرّاء ذلك، بلغت نسبة حجم التداول السنوي/الرسملة البورصيّة (والمعروفة بمعدل الدوران) 2.0% في الفصل الأول من العام 2022 مقابل 2.9% في الفترة ذاتها من العام 2021.

من جهة أخرى، بلغت أسعار سندات اليوروبوندز اللبنانية في نهاية آذار 2022 مستويات دنيا، بحيث راوحت بين 10.88 و12.0 سنتاً للدولار الواحد، مقابل 9.88-10.63 سنتاً للدولار في نهاية كانون الأول 2021، ما ينطوي على تحسّن الأسعار بمقدار 0.88 الى 1.88 نقطة في وقت ظهر بعض الشراة في سوق السندات ذات الدخل الثابت، بفعل استئناف جلسات الحكومة بعد المأزق السياسي الذي دام أشهراً عدّة وبسبب معاودة المفاوضات مع صندوق النقد الدولي.

لقد تلقّفت سوق سندات اليوروبوندز اللبنانية بارتياح الإتفاق الأوّلي المعقود مع صندوق النقد الدولي في 7 نيسان 2022، غير أن المتعاملين في السوق ما زالوا قلقين بشأن التحدّيات التشريعية القادمة وحيال ضرورة إقرار جملة قوانين إصلاحية قبل الحصول على موافقة مجلس إدارة الصندوق على آلية إقراض ممتدّة على 46 شهراً بقيمة 3 مليارت دولار. وفي هذا الإطار، أعلن بنك أوف أميركا في تقرير حديث له " أن المسألة الجوهرية في ما يخصّ لبنان هي معرفة ما إذا كانت سندات اليوروبوندز قابلة للاسترداد أكثر من معرفة قيمة استردادها المحتملة"، مشيراً الى "أن الطبقة السياسية قد تماطل قبل الانتخابات النيابية المرتقبة في شهر أيار ولا تهتمّ بإقرار خطة إصلاحية اقتصادية مدعومة من صندوق النقد الدولي ومن المجتمع الدولي".

على العموم، ثمّة أجواء من الحذر تخيّم على سوق السندات اللبنانية ذات الدخل الثابت، لأنّ اهتمام جميع المتعاملين في السوق مركّز على مدى الإلتزام بتنفيذ التدابير المسبقة التي يطالب بها صندوق النقد الدولي، ولا سيّما إصدار مجموعة قوانين إصلاحية ضرورية، وإقرار موازنة العام 2022، وإعادة هيكلة القطاع المصرفي، وإطلاق استراتيجية مالية وإعادة هيكلة الدين على أمد متوسط وتوحيد أسعار الصرف المتعدّدة. وعليه، إذا نجح لبنان في الاستجابة لمتطلّبات صندوق النقد الدولي، فمن شأن ذلك أن يمهّد الطريق لإتفاق نهائي مع الصندوق ولمفاوضات بنّاءة مع حمَلة سندات الدين.

2-الخلاصة: تقييم تحليلي لمحركات التضخم وآفاقه

لبنان غارق في دوامة تضخمية حادة منذ اندلاع الأزمة الاقتصادية في الفصل الأخير من العام 2019، ما زاد الأوضاع سوءاً، وولّد ضغوطاً اجتماعية واقتصادية جمّة على الأسر اللبنانية وزاد نسبة العائلات الرازحة تحت خط الفقر والتي تتجاوز حالياً الـ78% وفق آخر الأرقام الصادرة عن الأمم المتحدة.

تشير الأرقام الصادرة عن مؤسسة البحوث والاستشارات إلى أن نسبة التضخم المتراكم في لبنان بلغت 825% بين أيلول 2019 وآذار 2022. ويأتي ذلك نتيجة ارتفاع مؤشر أسعار الاستهلاك بنسبة 107% بين أيلول 2019 وأيلول 2020، وبنسبة 171% بين أيلول 2020 وأيلول 2021، وبنسبة 65% بين أيلول 2021 وآذار 2022. هذا وتظهر أرقام مؤسسة البحوث والاستشارات لعامين ونصف أن جميع مكونات مؤشر أسعار الاستهلاك التسعة سجّلت زيادات حاّدة في آذار 2022 بالمقارنة مع أيلول 2019. وكان الارتفاع الأبرز في أسعار الملبوسات (1433%)، تلتها السلع المعمرة (1161%)، المأكولات والمشروبات (1113%)، فالنقل والاتصالات (1041%)، والسكن (700%)، والترفيه (424%)، والعناية الصحية (344%)، والسلع والخدمات الأخرى (339%) والتعليم (92%).

رغم أنّ أرقام التضخم مرتفعة جداً، إلا أن لبنان لم يدخل بعد حيّز التضخم المفرط بالمعنى التقني للكلمة. فالتضخم المفرط، بحسب المعايير الدولية، يشترط أن يتجاوز التضخم الـ50% في شهر واحد أو الـ1000% سنوياً. والسبب الرئيسي وراء عدم دخول لبنان حيّز التضخم المفرط هو الارتفاع المحدود في كلفة العامل الأهم في الانتاج وهو العمالة، إذ لم يجر حتى الآن أي تعديل رسمي للأجور.

لبنان ليس في وضع التضخم المفرط لكنه حتماً يشهد نسب تضخم كبيرة. ففي حين شهد العالم عموماً هذه السنة زيادات ملحوظة في نسب التضخم بفعل ارتفاع أسعار النفط والغذاء نتيجة الحرب الروسية-الأوكرانية، ينفرد لبنان على المستوى العالمي في تسجيل نسب تضخم متتالية تفوق الـ100%. في المقابل، من المتوقع أن تبلغ نسبة التضخم العالمي 7.4% في العام 2022 وفق آخر تقرير لآفاق الاقتصاد العالمي الصادر عن صندوق النقد الدولي (5.7% للاقتصادات المتقدمة و8.7% للأسواق الناشئة والاقتصادات النامية).

وقد ترك رفع الدعم عن النفط والأدوية تأثيراً مباشراً على نسب التضخم في لبنان مؤخراً. ويأتى ذلك بسبب التأثير المباشر لارتفاع أسعار النفط عالمياً ومحلياً على كلفة النقل وكلفة الطاقة المنزلية، ناهيك عن التأثير غير المباشر لارتفاع التكاليف على عدد من القطاعات الاقتصادية الأخرى. وقد ارتفعت كلفة النقل بنحو 1800% خلال العامين والنصف المنصرمين بموازاة التأثير اللافت الذي تركه ارتفاع التكاليف على الدورة الاقتصادية بأكملها.

إلى ذلك، يظهر تدهور سعر صرف الليرة مقابل الدولار الأميركي في السوق الموازية على جانب كبير من الأهمية حيث شكّل العامل التضخمي الأبرز. فقد فقدت الليرة اللبنانية نحو 94% من قيمتها منذ اندلاع الأزمة في تشرين الأول 2019. والواقع أن سلوكية سعر صرف الليرة في السوق الموازية يحددّها مجموعة عوامل منها سيكولوجية تتعلق بعامل الثقة ومنها بنيوية متعلقة بالعرض والطلب البنيوي على الليرة اللبنانية والدولار الأميركي في السوق. فتدهور سعر الصرف مرتبط في شح الأموال الوافدة باتجاه لبنان والذي أسفر عن عجوزات كبيرة في ميزان المدفوعات، وعمليات خلق نقد ملحوظة بالليرة اللبنانية، ونشاط المضاربة إضافة إلى العوامل السيكولوجية المرتبطة بالمخاوف من الآفاق السياسية والاقتصادية.

هذا وفي الفترة المقبلة، مع طيّ صفحة رفع الدعم، فإنّ آفاق التضخم ترتبط بآفاق سعر الصرف، والذي بدوره مرتبط بإدارة الأزمة السياسية والاقتصادية في البلاد. إنّ تعميم مصرف لبنان رقم 161 والذي يتيح السحوبات النقدية بالدولار من المصارف على سعر منصة "صيرفة"، زاد من عرض الدولار في السوق وبالتالي كبح تدهور سعر صرف الليرة. غير أن مفعول التعميم محدود وموقّت، فهو بمفعول حقنة مخدر معطاة لمريض مصاب بمرض عضال. كما أنه مرتبط بالحجم المحدود من الاحتياطيات بالنقد الأجنبي لدى مصرف لبنان والتي تبلغ حالياً حوالي 11 مليار دولار وتستنفد بنحو 500 مليون شهرياً حتى بعد رفع الدعم. من هنا، فإن قدرة مصرف لبنان على ضخ الدولار في السوق محدودة من حيث الحجم والتوقيت.

عليه، تبرز ضرورة اعتماد تدابير بنيوية لاحتواء العجز التوأم، ذاك أنّ العجز الخارجي يستنفد مخزون الدولار في السوق بينما العجز العام يزيد من مخزون الليرات في لبنان. ويتطلّب ذلك قبل كل شيء، إقرار الخطة الشاملة مع صندوق النقد الدولي والتي تشكّل نوعاً من الرقابة لتنفيذ الإصلاحات، ومن ثمّ الحصول على مساعدة دولية. ففي حال غياب الإصلاحات البنيويّة والماليّة والنقدية، التي تعيد التوازن بين مخزون الليرة ومخزون الدولار، يكون سعر الصرف معرّضاً للتفلّت من جديد في المستقبل القريب ولمعاودة حلقة إضافية من التقلّبات الحادة في الأفق.