شيئًا فشيئًا، بدأت تتبلور صورة ​المجلس النيابي​ الجديد الذي أفرزته ​الانتخابات النيابية​ التي جرت يوم الأحد الماضي، والتي لا تزال نتائجها تخضع للدرس والفحص من جانب مختلف القوى والأحزاب السياسية، في ضوء "المفاجآت" التي انبثقت عنها، مع دخول "وافدين جدد" من الوجوه "التغييرية" الثائرة على الطبقة السياسية بالمُطلَق، إلى الندوة البرلمانية، على حساب شخصيات كان لها وزنها وثقلها في المشهد العام.

ولعلّ "المفاجأة الأكبر" التي تمخّضت عن الاستحقاق النيابي تمثّلت في افتقاد "حزب الله" وحلفائه للأكثرية النيابية التي كان يتمتع بها في مجلس النواب الأخير، بعدما كان الاعتقاد السائد هو أنّه "سيعزّز" هذه الأكثرية، عبر "اختراق" العديد من الساحات الأخرى، فإذا بالنتائج تأتي "معاكسة"، مع اختراقات سُجّلت في المناطق المحسوبة عليه، ولو أنّه "أقفل" مع حليفته حركة "أمل" المقاعد الشيعية كلّها، من دون أيّ استثناء.
وفي مقابل افتقاد "حزب الله" وحلفائه للأكثرية النيابية، فإنّ "معالم" البرلمان الجديد تُظهِر أنّ أيًا من المعسكرات الأخرى لم يحقّق هذه "الأكثرية"، التي يبدو أنّها ستبقى "ضائعة"، أو ربما "على القطعة" وفقًا للقضايا والملفات، بموجب منطق "التحالف على القطعة"، الذي قد ينتقل من الانتخابات إلى اليوميات، إلا إذا نجح أحد المعسكرين الكبيرين في "اجتذاب" عدد من المستقلّين إلى صفوفه، ولو بدا ذلك مُستبعَدًا حتى الآن.
إزاء هذه التركيبة، تُطرَح العديد من علامات الاستفهام، فهل يمكن لمجلس نيابي لا يمتلك أحد فيه "أكثرية واضحة" أن يحكم؟ وهل يشهد اللبنانيون أخيرًا على قاعدة "أغلبية تحكم وأقلية تعارض"، مع تكريس منطق "المحاسبة"؟ وأين سيقف التغييريون والمستقلون من كل ذلك؟ هل يشكّلون كتلة "متجانسة" ويتحوّلون بالتالي إلى "بيضة قبان" جديدة، أسوة بتلك التي كان يمثلها "اللقاء الديمقراطي" في مرحلة سابقة؟!.
حتى الآن، قد لا يكون ثمّة إجابات وافية وشاملة حول الكثير من الأسئلة السالفة الذكر، لكنّ الأكيد أنّ مشهدًا جديدًا انبثق عن الانتخابات الأخيرة، مع ما شكّلته من "ضربة" لبعض القوى السياسية، ولو حاولت التخفيف من وقعها، عبر التصريحات التي أطلقتها عن "انفتاحها" على القوى الجديدة واستعدادها لـ"التعاون" معها، بعد أسابيع طويلة من "التشكيك" أساسًا بحيثية هذه المكوّنات، وشرعيّة تمثيلها للشعب، إذا جاز التعبير.
ويرى كثيرون أنّ "الضبابية والغموض" يحكمان هذا المشهد بشكل رئيسي، نظرًا للتركيبة "المعقدة" للبرلمان، التي قد تحول دون القدرة على "حسم" الكثير من الاستحقاقات، كما كان يحصل في السابق، حين كانت الأكثرية بيد طرف واحد، علمًا أنّ "التحديات" التي تنتظر المجلس النيابي الجديد ليست من النوع الذي يتحمّل "التسويف والمماطلة"، بدءًا من معالجة الأزمة الاقتصادية، إلى الانتخابات الرئاسية المرتقبة في غضون أشهر.
ويخشى البعض أن تؤدي هذه التركيبة، مرّة أخرى، إلى "استنساخ" السيناريو العراقي الذي يبشّر بالمزيد من الفوضى والأزمات، حيث لا يزال "الفراغ" مهيمنًا على البلاد منذ انتهاء الانتخابات، التي أفرزت مجلسًا نيابيًا يتقاطع كثيرًا مع البرلمان اللبناني المُنتخَب، وقد أخفق حتى الآن في تشكيل حكومة جديدة، كما فشل في إنجاز استحقاق الانتخابات الرئاسية، نظرًا لغياب التوافق بين أركانه، بعد خسارة مؤيدي إيران لأكثريتهم أيضًا.
وفي هذا السياق، ثمّة من يخشى أيضًا العودة إلى جدلية "الميثاقية" التي قد يعوّض من خلالها "الثنائي الشيعي" خسارة "الأكثرية"، بحيث يغيب نوابه عن كلّ الجلسات التي تطرح بنودًا "جدلية" ليست على "خاطره"، فتصبح الجلسات بحكم "الملغاة"، بناءً على منطق "الميثاقية"، الذي سيتبنّاه بالحدّ الأدنى رئيس مجلس النواب الذي سيُنتخَب، والذي سيكون بطبيعة الحال من "حصّته" لكون كلّ النواب الشيعة ينتمون إليه بطبيعة الحال.
بالموازاة، لا شكّ أنّ الأنظار تتّجه إلى الوافدين الجُدُد إلى البرلمان، أو ما يحلو للبعض توصيفهم بـ"التغييريين"، فهل يصطفّون في كتلة واحدة متراصة منسجمة، قد تتحوّل في وقت من الأوقات إلى الكتلة المؤثّرة أو "بيضة القبان"؟ وهل يمكن أن يتلاقوا مع بعض القوى الأخرى، أو من يصفون أنفسهم بـ"السياديين"، رغم أنّ بعض هؤلاء هم جزء من المنظومة، التي يفترض أنّ "الثورة" قامت عليها، بناءً على شعار "كلن يعني كلن"؟.
هنا أيضًا، لا يزال "الغموض" هو المسيطر، حيث لا تزال كلّ الخيارات "قيد البحث"، وفق ما يقول بعض المتحمّسين للنواب الجُدُد، ممّن يشيرون إلى إيجابيات وسلبيّات لكلّ طرح، علمًا أنّ فكرة "التموضع" ضمن كتلة واحدة مطروحة بجدية بحسب ما يقولون، إلا أنّها لن تكون بالمعنى التقليدي الذي تعتمد الكتل "الحزبية"، حيث سيُترَك هامش من "الحرية" في حال اعتمادها، لكلّ نائب، بوصفه "مستقلاً" في نهاية المطاف.
وثمّة من يتحدّث عن بعض "الإشكاليات" التي قد تطرحها هذه الفكرة، لكون هؤلاء النواب لا "يتفقون" اساسًا على كلّ شيء، ومنها مثلاً موضوع سلاح "حزب الله"، الذي يعتبره بعضهم "أساس" الأزمات في لبنان، فيما يرى آخرون أنّه لا يشكّل "الأولوية" في الوقت الحالي، حيث يفترض أن ينصبّ التركيز على قضايا الناس المعيشية وحاجياتهم الملحّة، مع وجود جزء منهم يتبنّى أدبيّات "الحزب" في قضية "المقاومة" بالحدّ الأدنى.
في كلّ الأحوال، يسود الاعتقاد أنّ هؤلاء "التغييريّين"، أيًا كان موقفهم، سيشكّلون "دينامو" المجلس الجديد، وقد بدأت الأنظار تتوّجه إليهم منذ اليوم الأول، مع سعي العديد من القوى إلى "اجتذابهم" نحوها. ولذلك، يبدو أنّ "الامتحان" لن يكون "يسيرًا" عليهم، خصوصًا في ضوء "الرهانات" الشعبية على موقفهم، ولو أنّ ما يُحكى في الكواليس يميل نحو "تحالفات على القطعة" ستكون "الدرب الوحيد" المُتاح أمام البرلمان "المختلط"!.