إنطَلَقَ الرَّبُّ في رِحلَةِ صَيدٍ مُغَايِرَةٍ لِما يَعرِفُهُ العَالَم. رِحلَةُ صَيدٍ سَماوِيَّةٌ خَلاصِيَّةٌ، لَيسَت مِن هَذا العَالَم، إذ وَقَفَ الرَّبُّ عِندَ بَحرِ الجَليلِ، وكانَ صَيدُهُ وَفيرًا، بِحَيثُ يُخبِرُنا إنجيلُ هَذا الأَحَدِ عن اصطِيادِ يَسوعَ لِبُطْرُسَ وَأخيهِ أَنْدَرَاوُسَ، ويَعْقُوبَ بْنَ زَبْدِي وَيُوحَنَّا أَخَيه.

اللافِتُ في الأَمرِ أنَّ هَؤلاءِ الأشخاصَ الأَربعَةَ كَانُوا صَيَّادِينَ، ولَكِنَّ الرَّبَّ نَقلَهُم مِن صَيدِ السَّمكِ إلى صَيدِ النَّاس.

السُّؤالُ يُطرَحُ هُنا: مَا الهَدَفُ مِنِ اصطِيادِ المَسيحِ للبَشَر؟ الجَوابُ في النَّصِّ الإنجِيليّ لِهَذا الأَحَدِ: "وَكَانَ يَسُوعُ يَطُوفُ كُلَّ الْجَلِيلِ يُعَلِّمُ فِي مَجَامِعِهِمْ، وَيَكْرِزُ بِبِشَارَةِ الْمَلَكُوتِ، وَيَشْفِي كُلَّ مَرَضٍ وَكُلَّ ضَعْفٍ فِي الشَّعْب[1]".

إذًا، هَذهِ الآيَةُ تَضَعُ أمامَنا نِقاطًا ثَلاث: تَعليمَ، بِشارَةَ المَلَكُوتِ وَالشِّفَاء. هِي نِقاطٌ مُترابِطَةٌ فيمَا بَينَها ومُكَمِّلَةٌ بَعضُها لِبَعض.

النُّقطَةُ الأُولى: التَّعليم. مِمَّا لا شَكَّ فيهِ أنَّ التَّعَلُّمَ يَأتي قَبلَ أن يُصبِحَ الإنسانُ مُعَلِّمًا، وأن يَكونَ تَعليمُهُ صَحيحًا بِشَهادَةِ المُعلِّمِين. عَكسَ ذَلكَ هرطَقَةٌ وانحِرافٌ وخَرابٌ وضَلال. وقد حَذَّرَ يَسوعُ مِن هَذا الأَمرِ في كَلامِهِ على الفَرّيسِيّينَ: "اُتْرُكُوهُمْ. هُمْ عُمْيَانٌ قَادَةُ عُمْيَانٍ. وَإِنْ كَانَ أَعْمَى يَقُودُ أَعْمَى يَسْقُطَانِ كِلاَهُمَا فِي حُفْرَةٍ[2]".

عَودَةٌ إلى ما تَقولُهُ الآيَةُ أعلاه: "وَكَانَ يَسُوعُ يَطُوفُ كُلَّ الْجَلِيلِ يُعَلِّمُ فِي مَجَامِعِهِم". جَوهَرُ تَعليمِ يَسوعَ لِليَهُودِ فَتَحَ أعيُنَهُم على التَّدبيرِ الخَلاصيّ. قد يَكونُ ما حَصَلَ في مَجمَعِ النَّاصِرَةِ[3] العُنوانَ العَريضَ لِتَعليمِهِ، وذَلِكَ عِندمَا قَرأ يَسوعُ في سِفْرِ إِشَعْيَاءَ النَّبِيِّ: "رُوحُ الرَّبِّ عَلَيَّ، لأَنَّهُ مَسَحَنِي لأُبَشِّرَ الْمَسَاكِينَ، أَرْسَلَنِي لأَشْفِيَ الْمُنْكَسِرِي الْقُلُوبِ، لأُنَادِيَ لِلْمَأْسُورِينَ بِالإِطْلاَقِ ولِلْعُمْيِ بِالْبَصَرِ، وَأُرْسِلَ الْمُنْسَحِقِينَ فِي الْحُرِّيَّةِ، وَأَكْرِزَ بِسَنَةِ الرَّبِّ الْمَقْبُولَةِ". ثُمَّ طَوَى السِّفْرَ وقال:

"إِنَّهُ الْيَوْمَ قَدْ تَمَّ هذَا الْمَكْتُوبُ فِي مَسَامِعِكُمْ".

كانَ مِنَ الطَّبيعيّ ألّا يَقبَلَ الفَرّيسِيُّونَ كَلامَ الرَّبِّ، لأَنَّهُم كانُوا قَد أَصبَحُوا غَريبِينَ عَن رُوحِ اللهِ وبَاتُوا عُميان.

حَالَةُ الفَرّيسِيّينَ العَقيمَةُ هَذِهِ، يُصَابُ بِها كُلُّ مُنتَفِخٍ مِن ذَاتِهِ وهامِلٍ للرُّوحِ القُدُس. وقد حَرِصَ يَسوعُ على ألّا يَقَعَ تلامِيذُهُ في هَذا الفَخِّ المُميتِ، لِذا قَالَ لَهُم: "اِحْمِلُوا نِيرِي عَلَيْكُمْ وَتَعَلَّمُوا مِنِّي، لأَنِّي وَدِيعٌ وَمُتَوَاضِعُ الْقَلْبِ، فَتَجِدُوا رَاحَةً لِنُفُوسِكُمْ[4]".

نِيرُ يَسوعَ هُوَ الصَّليبُ، أَي التَّخلّي عَن مَجدِ هَذا العَالَمِ الفَانِي ومُشتَهَياتِهِ الكاذِبَةِ والهَدَّامَةِ، وعَدَمُ السَّعي لاعتِلاءِ المَناصِبِ من أجلِ المَنفَعَةِ الشَّخصِيَّةِ، وخَلقِ الجَماعاتِ التَّابِعَةِ، بَل مَحَبَّةٌ لامُتنَاهِيةٌ، وخِدمَةٌ باذِلَة. وهُنا تمامًا تَتجَلَّى آيَةُ الرَّبِّ العَظيمَةُ: "مَنْ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ فِيكُمْ أَوَّلًا فَلْيَكُنْ لَكُمْ عَبْدًا[5]"، العَبدُ بِمَعنى الخَادِم.

تَجرَّأَ يَسوعُ أن يَقولَ عن نَفسِه "إنِّي وَدِيعٌ وَمُتَوَاضِعُ الْقَلْبِ"، لأنَّهُ فِعلًا كَذَلِك. هُوَ خَيرُ مُعلِّمٍ لا بَل هُوَ المُعَلِّمُ، والتَّشبُّهُ بِهِ أَمرٌ أَساسيٌّ لِكُلِّ مَن يُريدُ أن يَتَكَنَّى بِهِ.

النُّقطَةُ الثَّانِيةُ، بِشارَةُ المَلَكُوت. هِيَ فَرحَةُ خَلاصِ البَشرِيَّةِ مَعَ المَسيح.
مَا هُو تَحديدًا هَذا المَلَكُوتُ الّذي لَيسَ مِن هَذا العَالَم؟.

بِاختِصَار، هُوَ حَيثُ يَملِكُ اللهُ، وهُوَ الحَالَةُ الّتي يُصبِحُ فيها الإنسَانُ حُرًّا مِن سَطوَةِ الشِّريرِ عَلَيه، لا سَيِّدَ له إلّا خالِقُه. مِن هُنا قَالَ الرَّسولُ بُولُس: "حَيْثُ رُوحُ الرَّبِّ هُنَاكَ حُرِّيَّةٌ[6]".

وإن سَألْنا كَيفَ يَتِمُّ تَحقيقُ ذَلِك؟ لَأتانا الجَوابُ: بِالرُّوحِ القُدُسِ حَصرًا، أَمَّا الصُّورَةُ العَكسِيَّةُ فَمُرعِبَةٌ للغَايَةِ.

هَذا مَا يُخبِرُنا بِهِ الكِتابُ المُقَدَّسُ في أُولَى آيَاتِه: "كَانَتِ الأَرْضُ خَرِبَةً وَخَالِيَةً، وَعَلَى وَجْهِ الْغَمْرِ ظُلْمَةٌ، وَرُوحُ اللهِ يَرِفُّ عَلَى وَجْهِ الْمِيَاهِ.[7]". وقَبلَ أن يَقُولَ اللهُ «لِيَكُنْ نُورٌ» ويَكونُ نُورٌ، كانَتِ الظُّلمَةُ هِيَ السَّائِدَة.

كَم مِن مَرَّةٍ نُشابِهُ في مَسيرَةِ حَياتِنا هَذِهِ الأَرضَ المَليئَةَ بِالخَرابِ وَالخَالِيَةِ مِن كُلِّ حَياة؟ إلَّا أنَّ الرُّوحَ القُدُسَ حَاضَرَ دائِمًا لِيُنيرَ حَياتَنا ويُحييهَا مِن جَدِيد، لِمُجَرَّدِ أن نَفتَحَ قَلبَنا لَه. فَالرَّبُّ يَدعُونا مُنذُ الآنَ أن نَختَبِرَ طَعمَ المَلَكُوتِ السَّماويّ اللَّذيذ، والقِدّيسُونَ خَيرُ شُهُودٍ لِذَلِك.

النُّقطَةُ الثَّالِثَةُ، الشِّفاء. قَد يُقالُ إنَّ شِفاءَ الجَسَدِ مِنَ الأَمرَاضِ هُوَ الأَهَم. هَذَا حَسَنٌ إن تَمَّ، ولَكِن في النِّهايَةِ، كَمَا يَقُولُ المَزمُور: "أَيَّامُ سِنِينَا هِيَ سَبْعُونَ سَنَةً، وَإِنْ كَانَتْ مَعَ الْقُوَّةِ فَثَمَانُونَ سَنَةً، وَأَفْخَرُهَا تَعَبٌ وَبَلِيَّةٌ، لأَنَّهَا تُقْرَضُ سَرِيعًا فَنَطِيرُ[8]".

إذًا هُناكَ شَيءٌ أَعمَقُ بِكَثير. هَذا تَحدِيدًا مَا قَامَ بِهِ يَسوعُ مَعَ المَفلُوجِ قَبلَ أن يَشفِيَهُ جَسَدِيًّا، إذ قَالَ لَه: «يَا بُنَيَّ، مَغْفُورَةٌ لَكَ خَطَايَاكَ[9]». فَالمَرَضُ الحَقِيقيُّ عَدَمُ التَّوبَةِ، وَالتَّعلُّقُ بِفعِلِ الخَطيئَة.

الخَطيئَةُ في أَصلِها اليُونَانيّ هِيَ عَدَمُ تَحقِيقِ الهَدفِ to miss, fail /manquer, échouer ، وفي المَسيحِيَّةِ هِيَ عَدَمُ تَحقِيقِ القَداسَة. هَذا مَا نَحنُ بِحَاجَةٍ لِتَحقيقِه بِتوبَةٍ دَائِمَةٍ ومُستَمِرَّة، لأنَّ "القِدّيسَ هُوَ التَّائبُ دائِمًا"، كمَا يَصِفُهُ القِدّيسُ اسحَقُ السُّرياني. وَالإنسَانُ التَّائبُ يَكونُ فيهِ رَجاءٌ وحَيَاة.

هُنا تَستَوقِفُنا رِسَالةٌ مِن بِدَايَةِ القَرنِ الثَّالثِ الميلاديّ مَعرُوفَةٌ باسمِ الرِّسَالَةِ إلى ذيوغنيوتس Lettre à Diognète.
هِيَ رِسَالَةٌ جَميلَةٌ جِدًّا، يَصِفُ فيهَا كاتِبُها المَسيحيّينَ وحُضورَهُم في العَالَم، ونَمطَ حياتِهم. أَختَارُ مِنها جُملَةً في غَايَةِ الرَّوعَةِ: "كمَا الرُّوحُ في الجَسدِ، كَذَلِكَ المَسيحِيّون في العَالَم". هَذا يَعني أَنَّ المَسيحِيَّ الحَقِيقِيَّ هُوَ نُورٌ حَيثُما يَحِلُّ، إذ يَكونُ كَالقَمَرِ الّذي يَعكِسُ نُورَ شَمسِ المَسيحِ المُخَلِّص.

هَذا تَمامًا مَا قَصَدَهُ يَسوعُ في دَعوَةِ تَلامِيذِهِ لِيَكُونُوا صَيَّادِي النَّاس.

الرَّبُّ يُنادِينا ويُريدُنا أَن نَتَعَلَّمَ التَّعلِيمَ المُستَقيمَ الّذي لا شَطَطَ فِيهِ، وأن نَمتَلِئَ مِنَ الرُّوحِ القُدُسِ، ونَكونَ مَعَهُ في المَلَكُوتِ، ونَقومَ مِن ضُعُفاتِنا. هَذا مَا تَدعُو المَسيحِيَّةُ إليهِ العَالَمَ أَجمَعَ مُنذُ انطِلاقَتِها، وهَذا مَا أَوصَى بِهِ الرَّبُّ تَلامِيذَهُ أن يَفعَلُوهُ مَعَ جَميعِ الأُمَم.

الدَّعوَةُ مُستَمِرَّةٌ لِكُلِّ الأَجيالِ والشُّعُوب.

إلى الرَّبِّ نَطلُب.

[1]. متى ٢٣:٤

[2]. متى ١٤:١٥

[3]. لوقا ١٦:٤-١٩

[4]. متى ٢٩:١١

[5]. متى ٢٧:٢٠

[6]. ٢ كو ١٧:٣

[7]. تكوين ٢:١

[8]. مزمور ١٠:٩٠

[9]. مرقس ٥:٢