يفتتح المعهد الفني الأنطوني التابع للرهبانية الانطونية المارونية ورشة عمل لمدة أسبوع حول كيفيَّة صناعة الحرف الفينيقيَّة التراثية، ويعتبر هذا العمل مهم جدًا على الصعيد التراثي الفني لأنَّه يُمثِّل صورة لبنان الحضاريَّة والثقافية التي تكاد تندثر ويطويها الزمان إلى غير رجعة، لذا نرى أنَّه من الواجب الوطني العمل على تسليط الضوء على هذا الفنّ وإعادة إحيائِه، ونشره على أوسع نطاق، ‎فدائمًا في العودة إلى الجذور هناك قيمة للأصالة ومعنى للانتماء وتعمُّق بالإرث الذي يؤكِّد على العراقة الممتدة منذ آلاف السنوات في التاريخ وتلامسُ حاضرنا بجمالها ورونقها، عدا عن كونها شاهدٌ على إمتداد الفنون التي يتميَّز بها الشعب الفينيقي ألا وهي أنَّه استوحى من الفنون التي تعرَّفَ عليها من الشعوب المجاورة والبلدان التي سافر إليها وتواصل معها ثمَّ حوَّلها إلى جديد بعد إضفاء روحه ولمسته الخاصَّة والمَمهورة بهويَّتِه الخاصة... وكلَّما دنا الإنسان أكثر منها كلَّما شعر بالفخر والاعتزاز...


‎ونحن لم يتبقَّ لنا اليوم، كصلةِ وصلٍ بين الماضي والحاضر سوى الفنون التي نحاول العمل على الحفاظ عليها كإرثٍ مهم وكنزٍ ثمين، والتي تكشف حقيقة هويَّتنا كفينيقيَّين، لذا انطلقت فكرة تأسيس ورشة عمل للتعرُّف عن كثب على الفنِّ الفينيقي العريق الممتد منذ غياهب الزمَّان إلى يومنا هذا، والذي ما يزال يظهر على النقوش القديمة إن في جبيل أو صيدا أو غيرها من المدن التي كانت موطن الفنيقيِّين الذين حملوا إلى العالم الحرف والحرفيات والأرجوان والتجارة... وأعطوا إسمهم للنجم القطبي الذي أصبح يُعرف بالنَّجم الفينيقي، لأنَّهم أضاؤوا سماء الكون تمامًا كهذا النَّجم وحطُّوا ترحالهم في أماكن لا تُعدّ ولا تُحصى، وقبل كريستوف كولومبس بآلاف السنين وطئت أقدامهم الأميركيَّة الجنوبيَّة بحسب النص الفينيقي الذي تمَّ العثور عليه فيها منذ ما يقارب العقدَين...
ويرى الأب بوعبود والقيِّمون على المعهد بأنَّ إقامة ورش عمل كهذه ستسلط الضوء على هذا الفن الجميل والفريد على السَّواء، وستعرِّفُ بالتالي الناس على هذا التراث العريق من خلال إعادة تلقينه فإتقانه، هو الذي يتيسَّرُ لنا رؤية القليل منه اليوم في المتاحف من خلال الأواني والجرار والمجوهرات والتماثيل الصغيرة التي ترمز للآلهة، وبدون أن ننسى الشخص الفينيقي الذي يعتمر منذ فجر التاريخ الأول "اللبَّادة" وليس الطربوش التركي... ولا ننسى النقوشات التي وجدت على النواويس، وتحديدًا على ناووس أحيرام المُسجَّى في متحف بيروت والذي وُجدَ عليه أقدم نصّ فينيقي وقد استُعملَ فيه ۱۹حرفً فينيقيًّا من أصل ۲۲، وها نحن نرفع النقاب عن الستارة التي أرخت بأهدابها على تاريخ الشعب الفينيقي، مع القليل القليل الذي تيسَّر لنا من خلال إعادة إحياء الجزء اليسير من هذا الفنّ، كما ذكرنا آنفًا...
عسى أن يصبحَ هذا الفن في متناول الجميع فينتعشُ في صفوف المعهد الفني الانطوني ويكون ذخيرة للاجيال القادمة نُحافظُ عليها كإرثٍ وتاريخ لا يخفتت ولا يخبو مع مرور الوقت والزمن...