بَينَ المَسيحيَّةِ ولبنان حِوارُ إيمانٍ وَمواعيدَ حضارَةٍ: هو لَها ميراثُ الإنسانيَّةِ في مَكنوناتِ وِحدَتِها بِوَجهِ غُربَةِ تَباعُدِها. وَهيَ لَهُ إنتِصارٌ على لَعنَةِ الإنقِسامِ وأنظومَةِ التَوَتُراتِ. كِلاهُما: لبنان والمَسيحيَّةُ فيهِ: خَلقٌ واحِدٌ، رؤية واحِدَةٌ تَنبَسِطُ آفاقا وإرتِقاءً. مَعاً، هُما النِعمَةُ المُثلى التي، بِفَضلِها، تَتَعَمَّقُ قيامَةُ الحاضِرِ وَوِقَفَتَهُ في المُستَقبَلِ.

هي المَسيحيَّةُ اللبنانِيَّةُ تُحَرِّرُ لبنان مِن بابِلِيَّةِ مَوروثاتِ الشَرقِ وإن تَسَتَّرَ في عُريهِ المُشتَرَكِ، وَمَجهولِ بَلبَلاتِ الغَربِ وإن هَرَبَ الى شَهَواتِهِ العَقيمَةِ. بِها، لا يَدلُفُ خَوفٌ الى وَقفَةٍ مُتَصَدِّيَةٍ لِفَجيعَةِ الإندِثارِ، ولا الى وَقيعَةِ إنكِفاءٍ. في هَذِه ِالوَقفَةِ، يَبقى لبنان في يَقظَةٍ تَتَلَقَّفُها الحُريَّةُ تَدافُعاتِ كَرامَةٍ مِن نارٍ مُلتَهِبَةٍ... نارٌ تَستَدرِكُ الدُروبَ غَيرَ العابِرَةِ، الأكيدَةَ في شَغَفِها الدائِمِ بِنجاوى الحُريَّةِ.

هي تِلكَ، المَسيحِيَّةُ اللبنانِيَّةُ، الحَقَّةُ. المَسيحِيَّةُ اللبنانِيَّةُ المُتَمَكِّنَةُ. أنا مِنها. أنا إلَيها. إعتِناقي لَها، لا يَحجُب عَنِّي آلامَها، إذ هي شَرطُ إنسانِيَّتي التي أحياها، كلَّما جابَهتُ مع المَجروحينَ حَدَّ المَوتِ، وَنَهَدتُ الى الحَقِّ.

مِن يقينِها الى ذاتِها، هَكَذا، إتِّحادي دَوماً بِضَميرِها. فَلا ظُلمَ إستِهدافٍ يُيليها، وَلا إستِهدافَ ظَلامَةٍ يُبيدُها. بُطولَتُها الى اليومِ الآخَرِ فَرَحُ حياتِهِ التي إلى إستِمرارٍ.

مِن هُنا، عِبرَتُها: كُلُّ أرضٍ شَعبُها مُختارٌ. يَقينُها، في مَدى وَعي مَعرِفَتِها، وَمَداها في قُدرَتِها على الخُصوصِيَّةِ حينَ يُستَهدَفُ يَقينُها في ذاتِها.
وَشَعبُ لبنان أوَّلُ المُختارينَ، إذ يؤمِنُ اللبنانيُّ، المَسيحيُّ الحَقُّ، أن في عُمقِ أعماقِهِ إسلاماً وافِراً، وإذ يؤمِنُ اللبنانيُّ، المُسلِمُ الحَقُّ، أنَّ لبنان مِن دونِ المَسيحيَّةِ نِظامٌ مُبيدٌ لِذاتِهِ، كَسائِرِ أنظوماتِ الشَرقِ، المُستَفحِلَةِ تألُّهاً لِذاتِها. وهو أمرٌ دَفَعَ العَظيمَ يوحنا-بولسُ الثاني، حَبرُ القدِّيسينَ، الى الإعتِرافِ عُنوَةً، في عِزِّ التَمَزُّقِ اللبنانيِّ-اللبنانيِّ، "أنَّ ما يَجمَعُ المَسيحيَّ اللبنانيَّ الى المُسلِمِ اللبنانيَّ أكثَرُ مِمَّا يَجمَعُهُ بِنَظيرِهِ في الشَرقِ".
قَد تَكونُ قلَّةٌ، هَذا إيمانُها، أنا لا تَهُمُّني قِلَّةٌ أو كَثرَةٌ: لَيسَ الإيمانُ عَدَدِيَّةً بَل عَطِيَّةَ فِعلٍ.

العَطِيَّةُ
أجَل! لَقَد أُعطِيَ المَسيحِيُّونَ اللبنانِيُّونَ أن يكونوا آرامييِّنَ، سُرياناً، بيزَنطييِّنَ، مَلَكييِّنَ، مَوارِنَةً، لاتيناً، أرمَناً...
أُعطوا أن يَكونوا الكَنيسَةَ الأولى في العالَمِ، على يَدِ المَسيحِ نَفسِهِ، حَجَرُ زاويَةِ العُهودِ الجَديدَةِ كُلِّها.
أُعطوا أن يَكونوا قِفلَعَقدِهِ المُتَكَوَّنَ مِن أرضٍ وَشَعبٍ وَشَذَراتِ روحٍ، الرابِطَ بَينَ التُراثِ السلافيِّ، رِئَةَ شَرقِ الغَربِ، القائِمَةِ بإمتِداداتِ شَعبٍ، والتُراثِ اللاتينيِّ، رِئَةَ غَربِ الغَربِ، القائِمَةِ على إنبِساطِ لُغَةٍ.
أُعطوا أن يَكونوا مَشروعَ حَياةٍ، لا صَنَميَّات أطلالٍ مُتَدَثِرَةِ بِبُرقُعِ الإستِكانَةِ بإستِلحاقٍ، وإستِتباعٍ وإستِعبادٍ.
الوَيلُ لَهُم، إن إرتَضوا هَكَذا نِهايَةً، وإعتَبَروها بَديهِيَّةً، وَقَدَرِيَّةً حَتمِيَّةً!.
الوَيلُ لَهُم، إن لَم يُصَدِّقوا أنَّ مُمَيِّزاتِهِم اللبنانِيَّةَ، الحَقَّةَ، هيَ المُستَهدَفَةُ عَمداً، وإن صَدَّقوا أنَّها مَذَلَّات عُيوبٍ، وآثامَ إستِثناءٍ.
الوَيلُ لَهُم، إن إستَكفوا أنَّ النَموذَجَ اللبنانيَّ الذي هُم أعلوهُ بِنِضالِ قُرونَ مِن دِماءِ التَقديسِ وَدُموعِ القَداسَةِ تَجرِبَةٌ فاشِلَةٌ، ساقِطَةٌ!.
الوَيلُ لَهُم، إن لاذوا الى تَقَوقُعِ تمايُزِهِم، وإستَنكَفوا عَن إختِلاقِ قواسِمَ الواقِعِ والمَجازِ لِتَوطيدِ فِكرَةِ لبنان وَوِحدَتِهِ!.
الوَيلُ لَهُم، إن لَم يَبتَكِروا، مِن جَسَدِهِم المُثخَنِ بِجِراحِ القواسِمَ التي تُخاصِمُ وَتُبَدِّدُ، القَواسِمَ الخَلَّاَقةَ التي تَجمَعُ!.
الوَيلُ لَهُم إن لَم يَتَصَلَّبوا نواةَ شَعبِ لبنان المُختارِ!.
... والطوبى، لِمَن إيمانُ مَسيحيَّتِهِعلى قَدرِ لبنان!.