"المَسيحيَّةُ في ​لبنان​ لَيسَت مُلكَ اللبنانيِّينَ في هذا الطَورِ مِن نُموِّ القَومِيَّاتِ وَتَبَلورِ الوَحداتِ السِيَاسِيَّةِ، وإنَّها لَيسَت سِياسِيَّةً، بَل إنسِجاماً مَعَ الحَقِّ والعَدالَةِ والحُرِيَّةِ في كُلِّ ما هوَ زَمَنيٌّ... وإنَّ لَلمَسيحِيَّةِ دَوراً عَظيماً يَجِبُ أن تَلعَبَهُ في المَشرِقِ، وأنَّها مِن هذا البابِ وَديعَةُ الإسلامِ، كَما أنَّ الإسلامَ في هَذا المِعنى الرَفيعِ وَديعةُ النَصرانِيَّةِ. وَهَكذا كانَ لبنانُ مَهداً مُبارَكاً خَيِّراً مُتسامِحاً لَوَديعَتيَنِ مُتشابِكَتَينِ في العَيشِ وَفي الصَيرورَة.ِ.. وإنَّ هذا التأليفَ الجامِعَ يَجِبُ أن يَعيشَ، يَجِبُ أن يَتكامَلَ، يَجِبُ أن يَدومَ".

سِتَّةُ عُقودٍ وَنَيِّفٍ إنقَضَت عَلى هَذا الكَلامِ الذي دوَّنَهُ كمال جنبلاط في رِثاءِ الحَبرِ الأعظَمِ البابا بيُّوس الثاني عَشَر، ذاكَ الخَريفَ مِن العامِ 1958.

سَتَّةُ عُقودٍ وَنَيِّفٍ، وَحيثما هوَ كمال جنبلاط باتَ يُدرِكُ هَولَ الثَمَنِ الذي دَفَعَهُ لبنانُ، وَجَبَلُهُ، عَمودُهُ الفِقَريُّ، تأكيداً لِجَوهَرِ حَقيقَتِهِ وواقِعِيَّتِها. لا اوتوبيا هيَ، وَلا تَوَثُّبُ نَشوَةٍ. ذَلِكَ انَّ لبنانَ، مُذ كانَ، فِعلُ مُقاوَمَةٍ هوَ بِوَجهِ مَن يَبتَغي دَحرَ جَوهَرِيَّتِهِ بإغوائِها لِتَحويرِها، أو بِتَركِيعِها لِتَطويعِها، أو بإستيلابِها لإستِبدالِها.

أيَدري أحَدٌ مَن هُمُ: تابيون، وتورو-كوزاتيس، وسورموبيلوس، وجيروم-بعل... المَحفورَةُ أسماؤهُم في أوَّلى كوسموغونِيَّاتِ التَواريخِ، على ما يَكشِفُ فيلون الجُبَيليُّ، وهي مِن مُدَوَّناتِ سنخوني أتن العالِمُ الأوَّلُ لِلبَشَرِيَّةِ، "صَديقُ الحَقيقَةِ" البَيروتيُّ، عَلى ما يُعلي بورفيرُ الصوريُّ؟ إنَّهُم كَوكَبَةٌ مِن اوائِلَ المُقاوِمينَ في سَبيلِ هَذِهِ الجَوهَرِيَّةِ... وإلى ما بَعدَ بَعدَ اليومِ، سَتَبقى سُبحَةُ أسماءِ الوِلاءِ لِلبنانَ بالمُقاومَةِ هادِرَةً.

يُدميهُ الظُلمُ لبنانُ، وَلا حاجَةِ لِتَبيانِهِ فَهو مَخطوطٌ في حَقيقَتِهِ. وَمَظلومِيَّتُهُ الأشَدُّ هَولاٌ في رِعايَةِ إستِمرارِيَّتِهِ، حِينَما تُصَمُّ الآذانُ وَتُغلَقُ العُيونُ لِتُضطَرَّ المَظلومَ الى الدَمِّ.

وَأُريقَ الدَمُّ على أرضِهِ، والأرواحُ التي زُهِقَت صارَت قَرابينَ. فَلأيِّ مَعنىً بَعدُ تَكونُ المَسيحِيَّةُ والإسلامُ في لبنانَ طَريقاً الى نَفحَةِ سَماءٍ عَلى الأرضِ؟ لا بُدَّ لِلمُجيبِ، هُنا، مِنَ الدُخولِ الى عالَمِ الرؤيا وَخُشوعِهِ، لأنَّهُ في حاجَةٍ لإلتِماسِ اللامَنظورِ لِيُدرِكَ المَنظورَ، لا العَكسُ.

وَلَيسَ المُجيبُ بِذَلِكَ طالِباً وَطَناً، أو مُفَتِّشاً عَنهُ، أو مُتَلَّمِساً أهلِيَّتَهُ لِلبقاءِ، بَل، وَهذا الأهَمُّ، لامِساً الحَضرَةَ الإلَهِيَّةَ في أرضِ تاريخٍ مِن جُغرافيا. وَبَينَ هذا التاريخِ وَتِلكَ الجُغرافيا، الجامِعُ الأساسُ هو أنَّ لبنانَ يَتَخَطَّى جَوهَرَهُ الى اللهِ عَبرَ الرَمزِ. وَعِندَما يُساسُ الرَمزُ وَيدخُلُ عالَمَ السياسَةِ، بِمعناها الريادِيَّ في القيادَةِ، يَكتَسِبُ لبنانُ سيادَةَ جَوهَرِهِ على أرضِهِ.

العُبورُ
هاهوَذا التَحَدِّي: أن يَعبُرَ الواقِفُ مُحاوِراً هذا الوَطَنَ، مِن رؤيا الأرضِ الى رؤيا الإنسانِ الذي مِن هَذِهِ الأرضُ وَلَها. وَلا بُدَّ لِهِذا العُبورِ لِبُلوغِ فَرادَةِ هَذا اللبنانَ، لا خُصوصِيَّتَهُ فَحَسبَ، مِن خُطوَتَينِ: في الأولى، إنتِقالٌ مِن قُدسِيَّةِ الجُغرافيا الى ما فَوقَ المَكانِ حَيثُ وَجهُ اللهِ. وَفي الثانِيَةِ، نُزولٌ مِن وَجهِ اللهِ الى الوجوهِ المُنكَبَّةِ في خِضَمِّ مَواضيها الخاصَّةِ، المُتباعِدَةِ، المُتناقِضَةِ، عَلى تَسطيرِ تاريخٍ جامِعِ يُقَدِّسُ بالعَدلِ حَقيقَةَ الحاضِرِ.

عِندَها، لا تَبقى السياسَةُ تَسوِياتِ صِبيَةٍ، بَعضُها لامَقبولٌ قاتِلٌ، وَبَعضُها مُذِلٌّ بائِدٌ، وَجُلُّها دَمَويَّاتُ ضَغائِنَ... لَكِنَّها تَرتَقي ميثاقَ خَلاصٍ يَفيضُ مِن قُلوبٍ حالَفَتِ الحَياةَ، وَعُقولٍ غالِبَةٍ بِمُقاوَمَتِها الإندِحارَ.
عِندَها، يَغدو لبنانُ مُنطَلَقَ الأشواقِ وَمَصَبُّها، لا مُلهِمُها فَحَسبُ.
عِندَها، يَصدُقُ أنَّ لبنانَ وَديعَةُ الألوهَةِ لِبَني البَشَرِ.

*اللوحة المرافقة للمقال هي للفنان حسين جمعة لوحة لقرية لبنانية بعنوان "الحلم".