تحدّثت مصادر فلسطينية مطّلعة عن معلومات نقلتها عواصم عربية وإقليمية، لصحيفة "الاخبار"، عن أن "الولايات المتحدة وعدت بإقناع حكومة اسرائيل بالموافقة على هدنة إنسانية قصيرة، وأن البحث جارٍ حول ما يمكن القيام به خلالها". وأشارت المصادر إلى أن "البحث يتركّز على مقايضة غير كاملة بين محتجزين مدنيين لدى قوى المقاومة في غزة، وإدخال كمية كبيرة من المساعدات إلى القطاع، بما في ذلك الوقود، والمساعدة على معالجة ملف العالقين تحت الأنقاض".
وذكرت المصادر إن "قيادة كتائب عز الدين القسام أبلغت القيادة السياسية للحركة وآخرين بأنها لن تطلق سراح أي عسكري من الأسرى لديها إلا مقابل إطلاق سراح معتقلين من السجون الإسرائيلية، وأنها مستعدّة، الآن، لإنجاز صفقة شاملة إذا أُطلق سراح جميع المعتقلين".
وكرّرت المصادر الفلسطينية أن "اسرائيل تريد هدنة لساعات لا تتجاوز اليوم الواحد، وأنه يريد إطلاق سراح عدد كبير من الأسرى مقابل المساعدات فقط، وأن هذا الأمر غير مقبول من جانب المقاومة، لأن إطلاق أي إسرائيلي مدني أو عسكري يجب أن يكون مقابل أسرى فلسطينيين، وأن فترة الساعات الـ 24 ليست كافية أصلاً لضمان عملية الإحصاء، إضافة إلى أن عدداً من الأسرى الذين قُتلوا لا يزالون تحت الأنقاض، وأن عمليات البحث عنهم تحتاج إلى وقت غير قصير. كما أن حماس تريد إدخال فرق طبية تساعد على معالجة الجرحى داخل القطاع، وليس موادّ طبية فقط".
في سياق منفصل ذكرت الصحيفة ان "وصل إلى بيروت فجأة مستشار الرئيس الأميركي لشؤون أمن الطاقة اموس هوكشتين، وعقد سلسلة لقاءات شملت رئيس كجلس النواب نبيه بري ورئيس حكومة تصريف الاعمال نجيب ميقاتي وقائد الجيش العماد جوزاف عون ونائب رئيس المجلس النيابي الياس بو صعب واللواء عباس إبراهيم، كما أجرى اتصالاً هاتفياً بالمدير العام للأمن العام بالإنابة اللواء الياس البيسري. وصرّح هوكشتين أنه جاء لدعوة لبنان إلى عدم التورط في الحرب والضغط على حزب الله من أجل ذلك".
وكشفت مصادر واسعة الاطّلاع لصحيفة "الاخبار"، أن "زيارة هوكشتين ليست لها علاقة بكل ما صرّح به، ولا بما نقله عنه زواره، وأنه وصل إلى بيروت ضمن مهمة خاصة، كُلف بها من قبل الإدارة الأميركية، تتعلق بملفات متصلة بما يجري في قطاع غزة. ورفضت المصادر الحديث عن تفاصيل هذه المهمة، لكنها أشارت إلى أنها جزء من عملية كبيرة تجري بين واشنطن وعواصم أخرى معنيّة بالصراع الدائر".
مع ذلك، نقلت مصادر عن الذين اجتمع بهم الزائر الأميركي معطيات من نوع أنه "كرّر الكلام نفسه الذي قالته السفيرة الأميركية دوروثي شيا، كما كل السفراء الذين زاروا لبنان"، مشيرة إلى أنه "لقي الجواب نفسه وهو أن على إسرائيل أن تتوقف عن اعتداءاتها وأن لا أحد في لبنان قادر أن يعطي جواباً بالنيابة عن حزب الله". وأوضحت المصادر أن "هوكشتين كرّر تحذيرات من أن انخراط لبنان في الحرب ضد إسرائيل ستكون له نتائج تدميرية على البلدين". وهو سأل في بعض اللقاءات عما يمكن أن يحول دون تصعيد الوضع في لبنان، فقيل له إن ذلك في "أيدي أصحابكم في إسرائيل". ولدى سؤاله عما يحول دون انخراط حزب الله في الحرب، جاءه الجواب: "وقف إطلاق النار في غزة". غير أن المصادر نفسها لاحظت أن الموقف الأميركي "بات أطرى مما كان عليه سابقاً"، لافتة إلى أنه يبدو أن هناك ما يشبه التباين داخل فريق الإدارة الأميركية حول المقاربة الأفضل للتطورات المتسارعة في المنطقة.
واشنطن: لبنان أولوية
في هذا السياق، اشارت صحيفة "الجمهورية"، الى ان وضعت مصادر مطلعة على أجواء اللقاءات التي أجراها هوكشتاين في بيروت في زيارته، في خانة الأهمية الإستثنائية، وتنطوي على رسالة اميركية مستعجلة تؤكّد لجميع الاطراف المعنيين بالجبهة الجنوبية "بأنّ واشنطن جدّية جدّاً في قولها بأنّها لا تريد ان ترى نار الحرب وقد تمدّدت الى جبهة لبنان الجنوبية".
وبحسب ما استخلصت المصادر من زيارة هوكشتاين، فإنّ "واشنطن تشعر بقلق كبير من احتمالات تمدّد الحرب إلى جبهة لبنان ومنها الى ساحات اخرى، ما قد يضع المنطقة بأسرها امام احتمالات حربية لا حدود او ضوابط لها، ومن هنا فإنّها توزّع جهدها بين اتصالات مباشرة مع الجانب الاسرائيلي، وبين رسائل متتالية مع الجانب اللبناني بشكل مباشر، وكذلك مع اطراف اخرى عبر قنوات مختلفة".
وذكرت الصحيفة انّ الملاحظة البالغة الأهمية التي سجّلتها المصادر تجلّت في "تبدّل واضح في النبرة الاميركية، حيث انتقلت واشنطن من التهديد العلني، لـ"حزب الله" بعدم إشعال جبهة الجنوب اللبناني والانخراط في هذه الحرب، كما جاء على لسان المتحدث باسم البيت الابيض ثم وزير الخارجية الاميركية انتوني بلينكن وكذلك من مسؤولين كبار في البنتاغون، الى اعتماد الديبلوماسية الهادئة بإيفاد هوكشتاين الى بيروت حاملاً تطمينات وتحذيرات هادئة تصبّ في هدف إبقاء جبهة الجنوب باردة".
وعلمت "الجمهورية"، انّ "هوكشتاين في المحادثات التي اجراها في الساعات الاخيرة لم يكن هجومياً تجاه اي طرف لبناني، بل انّه كان حريصاً في بداية هذه اللقاءات على ان يُبدي التضامن والتعاطف مع ذوي شهيدات المجزرة التي ارتكبتها اسرائيل على طريق عيترون - عيناتا، واللافت انّ هذا التعاطف، كان ملحوظاً في رأس قائمة بنود مدرجة في ورقة مكتوبة كان يحملها. كما اشار الى ما سمّاها الجهود التي تبذلها واشنطن لعدم توسّع رقعة الحرب في غزة، ولإجراء هدنات انسانية وتجنّب استهداف المدنيين".
ولفتت الصحيفة الى ان "بحسب مصادر المعلومات الموثوقة، فإنّ مضمون الورقة المكتوبة التي حملها هوكشتاين، تتلخّص بما مفاده:
اولًا، انّ لبنان كان ولا يزال يشكّل أولوية بالنسبة الى الولايات المتحدة، ويهمّها الحفاظ على أمنه واستقراره.
ثانياً، انّ واشنطن تشعر بقلق جدّي من استمرار العمليات العسكرية على الحدود الجنوبية، والضرورة تقتضي توقفها والوقف الفوري لإطلاق النار.
ثالثاً، ضرورة الالتزام الكلي بالقرار 1701.
رابعاً، انّ واشنطن ترى انّ التصعيد على الحدود لا يصبّ في مصلحة لبنان، وانّ اسرائيل اكّدت انّها ليست راغبة في التصعيد على ما تعتبرها جبهتها الشمالية. (هذا البند فُسّر على انّه رسالة مباشرة من اسرائيل)".
الموقف اللبناني
ولفتت الى ان "بحسب المعلومات الموثوقة، فإنّ الأجوبة التي تلقّاها هوكشتاين تمحورت حول ما مفاده:
اولاً، إدانة شديدة لحرب الإبادة الجماعية التي ترتكبها اسرائيل في غزة، وينبغي العمل على كل المستويات الدولية لحمل اسرائيل على وقف فوري لاطلاق النار، ووقف المجازر والمذابح التي تستهدف المدنيين.
ثانياً، انّ لبنان ملتزم بالقرار 1701، الّا انّ اسرائيل خرقت هذا القرار آلاف المرات براً وبحراً وجواً على مرأى ومسمع العالم بأسره.
ثالثاً، انّ اسرائيل هي مصدر الخطر، وتواصل اعتداءاتها على الحدود، والمقاومة في موقع الدفاع والردّ على هذه الاعتداءات، والمطالبة بوقف اطلاق النار يجب الّا تُوجّه الى الجانب اللبناني، بل الى اسرائيل. فلا تطلبوا منا ان نوقف اطلاق النار، بل عليكم ان تردعوا اسرائيل.
رابعاً، انّ اسرائيل تحاول من خلال اعتداءاتها ان تستدرج لبنان الى حرب واسعة، من خلال توسيع رقعة اعتداءاتها الى المناطق الآهلة، وباستهدافاتها المتعمّدة للمدنيين، والشواهد كثيرة بقتل فتى في بلدة ياطر، وكذلك قتل فتيين راعيين للماشية، وقبل ذلك استهداف الصحافيين وقتل المصور الصحافي عصام عبدالله. وبعده استهداف سيارات الاسعاف وقصف سيارة تابعة لجمعية الرسالة الاسلامية، (يُشار هنا الى انّ اسرائيل وبعد قصف سيارة الاسعاف اتصلت باليونيفيل طالبةً نقل رسالة الى الجانب اللبناني تفيد بأنّ هذا القصف غير مقصود). وآخر جرائمها الفظيعة استهداف سيارة مدنية على طريق عيناتا ما ادّى الى استشهاد ثلاث فتيات بعمر الورد، وجدتّهن. وهذه الاعتداءات والجرائم لا يمكن ان تمرّ من دون ردّ عليها.
خامساً، انّ لبنان ليس في موقع المعتدي، ولم تبدر من جانبه اي اشارة حول رغبته في تصعيد الامور، وعلى ما أبلغ مسؤول كبير للموفد الرئاسي الاميركي، فإنّ ما ينبغي ان يكون معلوماً هو انّ هذه الامور إن تكرّرت، وحصلت امور مماثلة واستهدافات للمدنيين في اي مكان، فلا يمكن لنا ان نبقى مكتوفي الأيدي، ونقول بكل وضوح انّه لا يمكن لأحد أن يضمن الاّ تذهب الامور الى ما لا تُحمد عقباه".