لم يترك الرد الإسرائيلي الأخير على الورقة الأميركية، والذي حمله الوفد الأميركي الموسع الذي زار لبنان، أي مجال للتأويل. هو ليس مجرد موقف عابر، بل تأكيد إضافي على أن العدو لا يتعامل مع لبنان إلا من موقع الفوقيّة والرفض المسبق لأي تسوية متوازنة. من هنا يمكن القول إننا أمام فرصة لا يجب أن تضيع، فرصة لإعادة توحيد الموقف الداخلي والانتقال من حالة التشرذم والتباين في الخيارات إلى مقاربة موحّدة تعكس حقيقة الصراع، وتحقق مصلحة لبنان بعيداً عن أي مصالح ضيقة.
لقد أثبتت التجربة أن الرهان على إرضاء الأميركيين من أجل تحصيل بعض المكاسب من الإسرائيليين كان خيارًا خاطئاً، تقول مصادر سياسية مطلعة، مشيرة إلى أن النتيجة كانت المزيد من التنازلات من طرفنا، مقابل تصلب إسرائيلي أكبر، ورفض مطلق لأي مطلب لبناني مشروع. هذا المسار جرّبناه لعقود ولم يوصل إلا إلى خسارة الموقف وتكريس معادلة الضعف.
من هنا، ترى المصادر عبر "النشرة" أن الزيارة الأميركية الأخيرة، على سلبيتها، تفتح ثغرة يمكن الاستفادة منها، فصحيح أن واشنطن لم تقدم شيئا إيجابيا، لكنها عرّت الرهان على الوساطات وأثبتت محدودية التعويل على الخارج. هذه النتيجة يجب أن تكون قاعدة لعودة اللبنانيين إلى صياغة موقف وطني جامع، يضع المصلحة الوطنية العليا فوق الحسابات الفئوية.
تكشف المصادر أنّ رئيس المجلس النيابي نبيه بري سيلتقط هذه اللحظة في خطابه الأحد المقبل، من موقعه كضامن للتوازن الداخلي، في محاولة للحدّ من الانقسام الذي بدأ يتخذ طابعا خطيرا وقد يجر البلد إلى صدامات سياسية وربما أمنيّة. ما يسعى إليه برّي ليس فقط الدعوة للوحدة بل رسم حدود جديدة للنقاش السياسي، بحيث لا يمكن للبنان أن يستمر كدولة إذعان، بل عليه أن يترسخ كدولة "مقاومة".
كل ذلك يتزامن مع انعقاد جلسة الحكومة المقبلة التي ستبحث خطة الجيش اللبناني. هذه الجلسة ليست تقنية ولا عسكرية بحتة، بل سياسية بامتياز، توكد المصادر، مشيرة إلى أن ما سيطرح داخلها سيحدد الاتجاه الذي سيسلكه لبنان، فهل نواصل سياسة التنازلات وانتظار الوهم الأميركي، أم نعيد تثبيت خيار الدفاع والمقاومة بكافة عناوينها كعنوان جامع؟.
بمعنى آخر، ما نحن مقبلون عليه ليس مجرد نقاش في خطة عسكرية، بل في هوية الدولة وموقعها في الصراع. اللحظة ضاغطة، والفرصة متاحة، والقرار بيد اللبنانيين، وإما أن نذهب إلى مزيد من الانقسام والضعف، وإما أن نحوّل الرد الإسرائيلي السلبي إلى دافع لتوحيد الموقف الداخلي، وتعليق العمل بأيّ مهل إلى حين التزام العدو الإسرائيلي بما عليه.
وترى المصادر إن خطورة عدم التوصل إلى حلول موحدة تكمن في أنّ الخلافات الداخلية لا تبقى في إطارها السياسي، بل تتحول سريعا إلى انقسامات ميدانيّة، معتبرة أنّ تجربة السنوات الماضية تؤكّد أن أيّ اهتزاز في الموقف الوطني يفتح الباب أمام الشارع، حيث تعود الاصطفافات الطائفيّة والحزبيّة لتتصدر المشهد، وعندها يصبح النقاش حول خطة الجيش أو الخيارات الوطنيّة ساحة صراع داخلي بدل أن تبقى مواجهة مع العدو الخارجي.
هذا السيناريو لا يعني فقط تعطيل المؤسسات وتعميق الشلل، بل إدخال لبنان في مرحلة جديدة أكثر صعوبة، قد تتجاوز الانقسام السياسي إلى تصعيد أمني واجتماعي. وفي بلد مأزوم اقتصاديا وماليا، فإنّ أيّ انفجار داخلي ستكون كلفته مضاعفة، وسيدفع ثمنه اللبنانيّون جميعاً.