أمام المنزل الوالدي للطوباوي الأخ إسطفان في بلدة لحفد، راح الأب جورج غطاس يروي للصحافيين الزائرين بيت الطوباوي في عيده، في 30 آب 2025، برفقة الأب بولس القزي، سيرة قداسة الأخ إسطفان.
في ذاك المنزل العابق بطيب رائحة القداسة، وفي أحضان طبيعة مُبارَكة، أبصر الطوباوي النور في آذار 1889، في عائلة مؤلَّفة من أربعة صبيان وفتاتَيْن.
والده إسطفان نعمه، ووالدتُه كريستينا حنا البدوي خالد. وإخوته: سركيس، نعمة الله، هيكل، وهو الصغير بينهُم وقد دُعي يوسف قبل الترهُب، على اعتبار أنه ولد في شهر آذار المُكرس كنسيا لتكريم القديس يوسف. كما وأن الكنيسة تحتفل في التاسع عشر من الشهر المذكور بعيد مار يوسف.
وأما شقيقتا الأخ إسطفان، فهُما: توفيقة وفروسينا.
في البيئة تلك، المُولِّدة للقديسين، ترعرع يوسف نعمه، "فجُبلَ عرقُه وآثار أقدامه بتلك التُربة المُقدسة"، على ما قال الأب جورج غطاس، للوفد الإعلامي في عيد الطوباوي على طريق القداسة!.
إنها مُميزات بلدة لحفد، المشهود لها بسعي بنيها إلى البِرّ، وتعلُقهم بكنيستهم، وبشفاعة القديس إسطفان لهُم، وهو الشهيد الأول للكنيسة الكاثوليكية عبر تاريخها العريق الحافل بالقديسين...
وبالقُرب من منزل آل نعمه، كنيسة أُخرى هي كنيسة السيّدة. ومشهود لتلك العائلة بالعمل في الزراعة والاهتمام بالماشية وبخاصة الأبقار، وكذلك بالحياة البسيطة المُزدانة بالتقوى. وقد سار أبناؤها على خطَيْن مُتوازيَيْن يُشكلان التوازُن: حياة التقوى والتعلُق بالكنيسة، وكذلك العمل البسيط في طبيعة جامِعة عبر رُموزها كل أسرار الحكمة والخَلق!.
لقد عاش يوسف نعمه في لحفد، حتى عمر الستة عشر عاما، أي حتى العام 1905.
قصة نبع الغرَيْر
يروي الأب غطاس: "في إحدى المرات، كان يوسف يرعى البقرات، في جوار البيت، فشاهد حيوانا صغيرا يُدعى الغرَيْر، ولحق به. وقاده ذلك إلى مغارة، دخل إليها يوسف، فوجد آثار مياه. حفر في المكان فاكتشف نَبعا بات معروفا بنَبع الغرَيْر، ولاحقا بنَبع الطوباوي الأخ إسطفان".
ويضيف غطاس: "ثمة من شربوا من تلك المياه، ونالوا نعمة الشفاء".
قرار الترهُّب
بعد سنتين اثنتين من وفاة والد يوسف (1903)، قرر الأخير دُخول الدير راهبا، وقصد دير مار قبريانوس ويوستينا في كفيفان (1905)
عبثا حاول أحد أشقائه ثنيه عن الترهُب فكان جواب يوسف: "أنا لهَوْن جيت وهَوْن بَدي إِبقى"...
لقد كان قرار الشاب حاسما ونهائيا، بأن يتبع السيد المسيح، فترك كُل شيء وتبعه، وما نظر يوما إلى الوراء!.
وقد كان يوسف شديد التأثُر أيضا بـ "مُعلم الابتداء" إغناطيوس داغر التنوري، بعدما تلقى عُلومه الأُولى في مدرسة تابعة للرهبنة المارونية، في بلدة سقي رشميا الواقعة في جوار بلدته لحفد.
ومشهود للمعلم التنوري قداسته، وهو كان القُدوة لتلاميذه في التقوى والالتزام الكنسي واتِّباع المسيح.
بعد سنتَيْن اثنتَيْن من الابتداء، قرر يوسف أن يتخذ اسم إسطفان، تيمُنا باسم والده، ومُبدلا في ذلك الحال التي كان فيها، فصار بالكامل ليَسوع المسيح، وسلك دربه...
ويرى الأب غطاس أنها "نعمة الله التي تُقرر مصير الإنسان... فلقد قال لنا يسوع: (ما أنتم اخترتُموني بل أنا اخترتُكُم). إنه اختارنا قبل إنشاء العالم، (لنكون في حضرته قديسين، لا عيب فينا)... ولقد قال الأخ إسطفان نعم للرب، ومن دون تردُد".
واستشهد غطاس بآية من الإنجيل المُقدس: (من يضع يده على المحراث، لا يلتفت إلى الوراء).
وتابع: "لم يلتفت الأخ إسطفان يوما إلى الوراء، وقد أيقن أن المسيح هو الطريق والحق والحياة، وأنه نور العالَم، ومَن يتبعه لا يمش في الظلام، بل يكون له نور الحياة"...
لطالما ردد الأخ إسطفان عبارة "الله يراني"، وقد عاش على الدوام "في حضرة الله"، وتحت نظره، في إيمان وصدق، وقلبه مع يسوع عملا بالآية: "حيث يكون كنزُكم هناك يكون قلبكم".
وأوضح غطاس: "لم يُرسم الأخ إسطفان كاهنا بقرار من السلطة الكنسية... ولكن كان مُتفانيا أمام إخوته الرهبان والعُمال، في كُل عمل يقوم به... أكان ذلك في دير مار قبريانوس ويوستينا-كفيفان، أم في دير سيدة ميفوق، وفي دير مار شليطا–القطارة، ودير مار مارون–عنايا. كما وأمضى أيضا فترة طويلة في دير سيدة المعونات في جُبيل. وكذلك عاش الأشهر الأخيرة من حياته في كفيفان حيت تُوفي مُتأثرا بـ "ضربة شمس" خلال عمله في الحقل.
الجُثمان السالِم
ما زال جُثمان الأخ إسطفان سالما لغاية اليوم... بعدما تُوفي في 30 آب 1938، عن عمر 49 عاما. وقد كتب عنه رئيس الدير آنذاك، الأب انطونيوس نعمه: "غادر هذه الفانية، نهار الثلاثاء، في تمام الساعة السابعة مساء، في الثلاثين مِن آب، الأخ إسطفان نعمه اللحفدي. كان أخا عامِلا، نشيطا، غيورا على مصلحة الدير، قوي البنية سليم الجسم، مُسالما، بعيدا عن كُل الخُصومات، قنوعا، فطنا بالأعمال اليدوية، مُحاظا على واجباته ونُذرورانه، قائما بما عُهد إليه حق قيام.
إشارة إلى أن رئيس الدير كان يعرف الأخ إسطفان معرفة جيدة، كما ورافقه في مسيرة حياته. وكذلك فإنهما أبصرا النور في البلدة نفسها.
قداس العيد
وخلال زيارة الإعلاميين الأماكن المقدسة التي عاش فيها الأخ إسطفان نعمه، أو مرّ بها، شاركوا أيضا في القداس الاحتفالي في دير كفيفان، حيث ضريح الطوباوي. وقد ترأسه النائب العام في أبرشية البترون المارونية، المونسنيور بيار طانيوس، مُمثلا راعي الأبرشية المطران منير خيرالله، وعاونه رئيس الدير الأب إسطفان فرح، والأب بولس القزي، في حُضور لفيف من الخورأساقفة وكهنة الأبرشية وحشد كبير من المُؤمنين...
وبعد تلاوة الإنجيل المُقدس، ألقى المونسنيور طانيوس عظة تناول فيها "الطاقة السلبية التي تُدمّر حياة الإنسان ومستقبله وذاته".
قال: "عندما ننظُر إلى أنفُسنا بعين ذواتنا فقط، سنرى الكثير من السلبيات، فنعيش طاقة سلبية، إذ لا نُرضي أنفسنا ولا غيرنا. وأما إذا نظرنا إلى أنفسنا من زاوية الآخرين، فالأمر أيضا خطِر، لأن نظرة الناس تحكمها الغيرة والحسد والمصلحة والأنانية والغضب. وأما النظرة الحقيقية إلى الذات فهي أن ننظر إليها من خلال عيني الله، في ضوء رحمته ومحبته وعنايته. هنا فقط ندرك قيمتنا، ونسلُك طريقنا في ثبات"...
أضاف: "لقد تكلم البابا الراحل فرنسيس عن "القديسين الخفيين اليوميين"، أي كُل واحد منا حين يعيش حياته اليومية تحت نظر الله. وهذا ما عاشه الطوباوي الأخ إسطفان نعمة، الذي كان يُردد في بساطة عبارة: (الله يراني). هذه الكلمة حملت في قلبه شُعورا عميقا بأنّ الله حاضر معه، يحفظه ويقوده ويرعاه بمحبة ورحمة وحنان".
وتابع: "لقد عاش الأخ إسطفان هذه الحقيقة في عُمق، فكانت حياته البسيطة اليومية مطبوعة بالطاعة والصمت والصلاة والعمل. وكان صمته صرخة طاعة، وعمله صلاة دائمة، واتحاده بالرب لا ينقطع. لقد جسّد الطاعة الحقيقية التي تعني موت الإرادة الذاتية وقيامة الإرادة الإلهية، والتواضُع أمام مشيئة الله. وهكذا صار مثالا حيا على القداسة اليومية، تلك القداسة التي تتجلى في الصمت والعمل والطاعة والإخلاص للإنجيل. إنّها قداسة (القديسين الخفيين) الذين يعيشون بيننا في صمت ووفاء، من دون أن يعرفهم الكثيرون".
وبعد ذلك تم تبريك عبوات مياه من نبغ الغرير، ومن ثم وزِّعَت على المُؤمنين.
شهادة كلارا
بعد القُداس، قدمت كلارا عبود شهادة حياة عن نعمة الشفاء التي نالتها بشفاعة الأخ إسطفان، مُباشرة بعد تطويبه، والتي على أساسها فُتح ملف إعلان القداسة.
وكانت كلمة للأب بولس القزي، ثمن فيها "دور الإعلاميين في مواكبة مراحل إنجاز ملفات قديسي لبنان معه، منذ فتح ملف القديس نعمة الله، لافتا إلى أهمية أُعجوبة شفاء كلارا عبود التي اعتُمدت في ملف تقديس الأخ اسطفان".
وبعد، فإن قداسة الطوباوي تسير بالإيقاع المطلوب ووفق الأُصول الكنسية والمَواقيت، وببركة الروح القدس.