الجُغرافيا (γῆ/gê-الأرضُ، γράφω/gráphô-تَقويمٌ/نِظامٌ/وَصفٌ) حَقيقَةٌ يُزيدُها العِلمُ أَلَقاً. فَفي حَيِّزِ قُدرَته، مَسلَكِيَّةُ الدِقَّةِ وَجُرأَةُ التَميِّيزِ. وَبِها، الجُغرافيا، مواجَهَةُ الحَياةِ حينَ ​الوجود​ُ في تَماسٍ مَعَ الشَكِّ بالذاتِ... والشَكِّ في الصُمودِ. أَإِلى هَذا الحَدِّ هي غَلَّابَةُ تُرَّهاتِ التَقويضِ؟.

دَعوَتُها، الجُغرافيا: الإنتِماءُ الى تُراثِها الهائِلِ والمُضني في آنٍ، لِلدِفاعِ عَنها، إِذ هي أَبعَدُ مِنَ التَماهي وَفعلٍ كَما ​التاريخ​ُ. هي، لِصَنائِعَ التاريخِ، تَراكُمُ الروحِ والفِكِر والفِعلِ. ثُلاثِيَّةُ خاصِيَّةِ الوجودِ والجَوهَرِ في الحَياةِ. ثالوثِيَّةٌ لِثالوثِيَّةٍ. دُخولٌ صِميمِيٌّ تَصميمِيٌّ في صِناعَةِ البُطولَةِ... الواغِلَةِ لا في وِفرَةِ الحَضارَةِ فَحَسبَ، بَل وَفي وِفرَةِ ​الإيمان​ِ.

في دَقائِقِها هَذِهِ، جُغرافِيَّةُ الجُغرافيا، ​لبنان​ُ لانِهائِيَّةُ الأكبَرِ أساساً في لانِهائِيَّةِ الجِزءِ. لانِهائِيَّةُ الأُلوهَةِ في لانِهائِيَّةِ الإِنسانِيَّةِ. لانِهائِيَّةُ الحاضِرِ السَرمَدِ في لانِهائِيَّةِ المُنكَشِفِ في أَسرارِ الوجودِ.

قُلّ: لبنانُ الجُغرافيا شُمولِيَّةُ الإِرتِقاءِ، أرضاً وَفَضاءً وَبَحراً، مِنَ الجاذِبِيَّةِ الى الإِرساءِ فالإِشعاعِ. نُقطَةٌ فاصِلَةٌ، بَينَ البَدءِ وَسائِرَ الجُزئِيَّاتِ الأُخرى. غَورُ العُمقِ في جُزئِيَّاتٍ يَبقى هو ناموسُها. سُلطانُ لا غَلَبَةَ قُوَّةٍ. سُلطانُ مَن أُدرِكَ مِن فَوقَ، وَتَحَدَّدَ مِن فَوقَ، لِيَكونَ مِنهُ إِشتِقاقُ زَمنِيَّاتُ الجُغرافِيَّاتِ الأُخرى وَإِجتِهاداتُ تَواريخِهِا... لا العَكسُ.

وَالـ"فَوقُ" هو اللهُ. هو، اللهُ، أتى بِلبنانَ، وَلَهُ، وَمِنهُ، سُلطانُ الحَياةِ في الضَبطِ، لا لِلإِستِطرادِ.

أجَل! ها هي جُغرافِيَّةُ لبنانَ أَلْمِن فَوقَ: الكِتابُ المُقَدَّسُ يُقَدِّمها سِجِلاًّ دَقيقاً لِحُدودِهِ، مِن شَمالِ تِلالِ الجَليلِ لِتَضُمَّ جَبَلَ حَرَمونَ المُسَمّى أَيضاً "سيريونَ" أوِ "سَنيرَ" (التَثنِيَةُ 3/9)، وَسِلسِلَةَ جِبالِ لبنانَ الشَرقِيَّةِ خَلفَهُ، "جِهَةَ مَشرِقِ الشَمسِ" حَتَّى مَدخَلَ حَماةَ (يَشوعُ 13/5)، والإِطلالَةَ على دِمَشقَ (نَشيدُ الأَنشادِ 7/4). وَتَضُمُّ أَيضاً سَهلَ البِقاعِ (يَشوعُ 11/17)، وَسِلسِلَةِ الجِبالِ الغَربِيَّةِ المُشرِفَةِ على البَحرِ (1 مُلوكُ 5/9).

أجَل! جُغرافِيَّةُ لبنانَ أَلْمِن فَوقَ، كِيانِيَّةُ البَدءِ المُدلِجِ في تَواصُلِيَّةِ الوجودِ الى غامِرِ إِنقِضاءِ الدُهورِ: الكِتابُ المُقَدَّسُ يُشَبِّهُ المَسيحَ بِلبنانَ: "طَلعَتُهُ كَلُبنانَ. مُختارٌ كَالأَرزِ" (نَشيدُ الأَنشادِ 5/15). وَالأَكثَرُ ذُهولاً في دَأبِ سُلطانِهِ، أن يُعطي مَجدُهُ لِلمَسيحِ لِيُرَفِّعَهُ اللهُ (أَشِعيا 35/2، 60/13).

ناصِيَةُ الوجودِ

لا جُغرافيا أُخرى في الكِتابِ المُقَدَّسِ. لا أَرضَ مَوعودَةُ-مُطَوَّبَةً لِشَعبٍ وَلا لِدَولَةٍ. لا حُدودَ لِكُبرى وَلا لِصُغرى وَلا لِبَينَ بَينَ لأَحَدٍ.

وَحدَهُ لبنانُ ناصِيَةُ الوجودِ، في جُغرافِيَّةِ التَواريخِ. أكبَرُ مِن نَوازِعَ تَكوينٍ، وَأبعَدُ مِن مَبدَئِيَّاتٍ.

وَبَعدُ! مَن لا يَفهَم لبنانَ الجُغرافيا تَوَثُّبُ هَذا الإِيمانِ لا يُدرِكُ مِعناهُ وَلا يَصنَعُ التاريخَ مَنبِتَهُ.

هي الجُغرافيا لبنانُ تَتَنَكَّبُ بالإِرتِجالِيَّاتِ، لِأَنَّها جَذرِيَّةُ المُعطى-وَصفاً/نِظاماً/تَقويماً. رُسوخاً وَحِجَّةً وَعِصمَةً.

لِأَيِّ تاريخٍ، بَعدُ، أن يَتَغافَلَ عَن هَذا الإِكتِناهِ-الإمتِلاكِ، فَيَتَبَرَّعَ بِهِ أو بِجُزئِيَّاتٍ مِنهُ، بَحراً وَ/أَو فَضاءً وَ/أَو أرضاً؟ وَإِرضاءً لِمَن؟ لِنَهجِ إِذعانٍ يُسَوَّقُ "حِكمَةً"، وَإِنكاراتٍ تُعلى "واقِعِيَّةً"، وَعُريَ إبادَةٍ يُكتَسى "بُطولاتٍ"، وَ...يَصمُتُ أمامَ نَعتِ "حَيوانِيَّةٍ" يُرمى بِهِ؟ لِلاجُزئِيَّةٍ مِن هُنا وَ/أَو هُناكَ، مِنَ الدونَ الى الما دونَ، تَصابَت في مُخادَعاتِ "الكُبرى" البِلا حُدودَ، تُرسَمُ خَرائِطَ بالدَمِّ والدَمارِ، مِنها مَن تَمَرَّغَت بِمَنعوتِ "الإِبراهِيمِيَّةِ" لإِحتِكارِ بَدءِ تاريخٍ، بِوَصفِهِ سَلاماً، وَمِنها مَن تَلَبَّسَت تَبسيطَ البَلاغَةِ لِتَسيِيل مُعادَلَةِ "الشَعبِ الواحِدِ في دَولَتَينِ"؟.

لبنانُ الجُغرافيا، جُغرافِيَّةُ عِشقِ الكُلِيَّةِ لِجُزئِيَّةٍ إبتَغَتها كُلِيَّتَها، وَتَماثَلَت بِها... تِلكَ المَسألَةُ!.

هل يُدرِكُها الُلبنانِيُّونَ، فَيَكونَ وَلوَ أحَدُهُمُ على قَدرِ مَسؤولِيَّتِها؟.