على وقع إستمرار الخلافات بين ​السلطة الموقتة في دمشق​ و"​قوات سوريا الديمقراطية​"، برز التهديد الذي أطلقه الرئيس التركي ​رجب طيب أردوغان​، في الأيام الماضية، عندما أشار إلى أن "ضمانة الأكراد في سوريا، كما كل المكونات هناك، هي في تركيا"، قائلاً: "إذا توجهوا نحو أنقرة ودمشق فسيربحون. لكن، إذا استُل السيف من غمده، فلن يبقى مكان لقلم ولا كلام"، ما أعاد إلى الواجهة سيناريوهات المواجهة بين الجانبين، خصوصاً أن تركيا تعتبر أن هذه المسألة قضية أمن قومي بالنسبة إليها.

في جميع المواقف، التي تصدر عن مسؤولين أتراك، هناك تأكيدات بأن بلادهم ترفض الذهاب إلى أي خيار تقسيمي في سوريا، موجهين الإتهامات إلى إسرائيل بأنها تقف وراء هذا المشروع، لا سيما بعد أحداث محافظة السويداء، خصوصاً أن تل أبيب كانت قد بادرت إلى التدخل العسكري المباشر فيها، تحت عنوان حماية الدروز، لكن في المقابل من الضروري السؤال عما فعلته أنقرة لمنع حصول ذلك؟.

في هذا السياق، من الطبيعي أن تكون البداية من خلال التأكيد أن السلطة الموقتة في دمشق، تتحمل الجزء الأكبر من المسؤولية عن المسار الذي سلكته الأحداث، خصوصاً أن الجميع يدرك أن مختلف المكونات كانت، منذ لحظة تسلمها السلطة، تنظر بعين الريبة إلى تاريخها، ما كان يتطلب منها سلوكاً مختلفاً عن الذي بادرت إليه، سواء كان على المستوى السياسي، حيث برزت الرغبة في الإستئثار بالسلطة، أو على المستوى العسكري، عندما أظهرت التوجه نحو القوة لفرض سيطرتها على البلاد.

هنا، قد يكون السؤال الأول الذي يطرح نفسه عن الأسباب التي حالت دون مبادرة تركيا إلى منع ذلك، عبر الضغط لتغيير سلوكها في التعامل مع مختلف المكونات، خصوصاً أنها الأكثر قدرة على لعب هذا الدور بسبب العلاقات التي تجمعها بها منذ سنوات، بالإضافة إلى أنها أبرز الداعمين لها في الوقت الراهن، وبالتالي كانت تستطيع أن تضع حداً لهذا المسار، منذ البداية، بدل الإكتفاء في تبرير ما أقدمت عليه السلطة الموقتة، لا بل التلويح بتقديم المزيد من المساعدات العسكرية لها.

بالعودة إلى الخلاف المستمر مع "قوات سوريا الديمقراطية"، الذي أكثر ما يهم أنقرة في الملف السوري، لا يمكن تجاهل أن تركيا لم تبادر إلى تسهيل التوافق في معالجة هذا الملف، بالرغم من أنها كانت قد بادرت إلى فتح حوار مع "​حزب العمال الكردستاني​" يتعلق بالواقع الداخلي لديها، وبالتالي هي تستطيع أن تدفع نحو توافقات تعالج أحد أبرز المشكلات التي تواجه السلطة في دمشق، في حال كانت راغبة أو لديها مصلحة في ذلك.

إنطلاقاً من هذا الواقع، يمكن الإنتقال إلى الشق الثاني من الأزمة، حيث تصب مختلف المؤشرات في إطار أن أنقرة كانت، بشكل أو بآخر، من أبرز مشجعي السلطة السورية الحالية على فتح قنوات الإتصال مع تل أبيب، رغم كل ما يُحكى عن صراع معها قد يتطور إلى مواجهة مباشرة على الأرض السوريّة، خصوصاً أن هناك مجموعة واسعة من الموانع التي تحول دون ذلك، وبالتالي هي راضية عن هذا المسار الذي يدفع تلك السلطة إلى تقديم مجموعة واسعة من التنازلات.

ما تقدم يقود إلى العودة إلى السؤال الأول، أي لماذا لم تشجع أنقرة التنازلات إلى ​المكونات السورية​، كمسار بديل عن تلك التي تقدم إلى إسرائيل، لا سيما أن الثانية لا يمكن أن تقود إلى تكريس الإستقرار على المدى البعيد، بل قد تشكل أحد أبرز أسباب أي إنتكاسة قد تتعرض لها السلطة الموقتة، حيث من الممكن العودة إلى المسار الذي رافق إسقاط الرئيس المصري السابق محمد مرسي، على إعتبار أن تركيا كانت من أبرز المعارضين لذلك، قبل أن تعود إلى التسليم بالأمر الواقع، لا بل التنسيق مع الجهات الإقليمية التي كانت وراء إسقاطه.

في المحصلة، يختلف الوضع في سوريا اليوم عن ذلك الذي كان قائماً في مصر خلال مرحلة حكم مرسي، لا سيما أن تداعيات أي تطور في سوريا، قد تنعكس على الأوضاع في تركيا، بالإضافة إلى وجود العامل الإسرائيلي الذي لا يمكن تجاهله، لكن هل أنقرة جادة في منع المشروع التقسيمي أم أنها قد تجد مصلحة فيه، في نهاية المطاف، عبر تكرار ما تفعله تل أبيب في الجنوب؟.