فيما كانت الأنظار تتركّز على ​مفاوضات وقف إطلاق النار​ في قطاع غزة، وسط آمال بأن تؤدّي إلى حلّ جذري للصراع الممتدّ منذ السابع من تشرين الأول 2023، جاء الحدث من العاصمة ال​قطر​ية الدوحة، ليس لتقدّم في المفاوضات، التي تلعب الدور الرئيسي والجوهري على خطها، ولكن بكل بساطة بسبب عدوان إسرائيلي على أراضيها، كان يستهدف للمفارقة، الفريق المفاوض، في رسالة "نارية" لم يكن أحد يتوقعها.

بهذا المعنى، لم يكن ​العدوان الإسرائيلي​ على العاصمة القطرية الدوحة مجرّد محطة جديدة في مسلسل الاستهدافات التي دأبت عليها تل أبيب منذ اندلاع حرب غزة، بل شكّل نقلة نوعية في طبيعة الاشتباك وحدوده. فأن تضرب إسرائيل في قلب دولة خليجية ذات ثقل سياسي، وأن تفعل ذلك تحت عنوان محاولة اغتيال قيادات ​حركة حماس​ المقيمة هناك، فهذا يعني عمليًا سقوط آخر ما تبقّى من الخطوط الحمر، والدخول في مرحلة جديدة عنوانها "التحرّر الكامل من القيود".

ولعلّ ما يزيد ما جرى خطورة أنه لم يكن حدثًا معزولاً، فالعدوان على الدوحة جاء بعد ساعات فقط من استهداف سفينة جديدة من "أسطول الصمود" في تونس، ليكرّس مسارًا واضحًا: إسرائيل تتنقل بين العواصم والموانئ لتفرض معادلة الهيمنة على كامل المنطقة، فالأمر لم يعد محصورًا بفلسطين، ولا بالجبهات المتفرعة عنها من لبنان إلى سوريا وصولاً إلى اليمن، وتقول إنّ يدها طويلة بما يكفي لتطال كل من يتجرأ على معارضتها أو كسر الحصار المفروض على غزة.

باختصار، إنها رسالة ميدانية وسياسية في آن معًا أراد تل أبيب أن توجّهها إلى القاصي والداني: لا أماكن محظورة بعد اليوم، ولا دولة فوق الاستهداف، وقبل ذلك، أنّ الوساطات لم تعد تعنيها وأنها مستعدّة لإجهاضها في مهدها. فكيف تُقرَأ هذه الرسالة بالعمق على مختلف المستويات، وأيّ تبعات وتداعيات لما جرى على المشهد العام، وما جدّية المخاوف من تمدّد الحرب إلى كامل منطقة ​الشرق الأوسط​ في ضوء السلوك الإسرائيلي المريب؟!.

قبل الإجابة على هذه الأسئلة، قد يكون من المفيد التوقف عند الموقف الأميركي الذي لم يكن متناغمًا تمامًا مع الرواية الإسرائيلية هذه المرّة. فالرئيس الأميركي دونالد ترامب عبّر عن امتعاضه من الخطوة، مشددًا على أنّ القرار اتخذ بشكل منفرد من قبل بنيامين نتنياهو، من دون تنسيق مع واشنطن، فيما كشفت تقارير إعلامية أميركية، بينها موقع "أكسيوس"، أنّ المستشارين المقرّبين من ترامب أبدوا غضبًا واضحًا، معتبرين أنّ الهجوم يهدد المصالح الأميركية في الخليج، ولا سيما في قطر التي تستضيف القاعدة الأميركية الأهم في المنطقة.

هذا التمايز في المواقف يفتح الباب أمام أكثر من قراءة. فهل يعني ذلك أنّ إسرائيل باتت في موقع الانفلات من حسابات واشنطن، بحيث تتحرك بما يتناقض مع مصالحها المباشرة، أم أنّ ما جرى يعكس حدود القدرة الأميركية على لجم حليفتها في ظل سياق داخلي أميركي مضطرب، يجعل البيت الأبيض أكثر هشاشة في ضبط تل أبيب، أم بكل بساطة أنه توزيع أدوار ليس أكثر، حتى تتحرّر واشنطن من أيّ مسؤولية مباشرة أو غير مباشرة في ما جرى، وتقول إنّ إسرائيل تصرّفت باستقلالية، ومن دون أخذ أيّ ضوء أخضر من ​الولايات المتحدة​؟.

أيًا تكن الإجابة، الأكيد أن العدوان الإسرائيلي يشكّل بالنسبة للدوحة ضربة مباشرة لدورها الوسيط الذي راكمته على مدى سنوات، وهو ما تجلّى بموقف رئيس الوزراء القطري الذي وصف الهجوم بأنّه "إرهاب دولة وغادر"، معلنًا احتفاظ بلاده بحق الرد، علمًا أنّ هذه اللغة، وإن لم تعنِ بالضرورة تحولًا قطريًا نحو المواجهة، إلا أنّها تعكس حجم الغضب من ضرب الوساطة في عمقها، بل محاولة تهميشها بالكامل.

من هنا، فإنّ قطر التي لطالما لعبت دور الممرّ الإلزامي للمفاوضات في ملفات غزة والأسرى والدعم الإنساني، تجد نفسها اليوم هدفًا معلنًا. فهل يعني ذلك نهاية مرحلة الوساطات القطرية، أم أنّ العدوان سيمنحها موقعًا أقوى عبر تحويلها إلى طرف لا غنى عنه في أي معادلة تسوية مقبلة؟ في الحالتين، ما جرى يفرض إعادة رسم دور الدوحة في معادلة الحرب، خصوصًا أنّه يكشف حجم المخاطر التي تواجهها الدول الخليجية نفسها إذا ما تحوّل الاستهداف الإسرائيلي إلى نمط متكرر.

عمومًا، يقول العارفون إنّ الأمر لا يتوقف عند حدود الاستهداف المباشر للدوحة. فالمشهد برمّته يعيد طرح السؤال حول مستقبل الحرب واتساعها. فإذا كانت إسرائيل تجرأت على ضرب دولة حليفة للغرب، وواحدة من أبرز الوسطاء، فما الذي يمنعها من الذهاب أبعد في استباحة دول أخرى؟ وماذا لو قررت قوى إقليمية الرد بشكل غير مباشر عبر ساحات متعدّدة؟ هنا تكمن خطورة العدوان: أنّه يفتح الباب أمام توسع الحرب إلى الخليج، وربما إشعال خطوط مواجهة جديدة في منطقة كانت حتى الأمس خارج دائرة النار المباشرة.

يضاف إلى ذلك أنّ فشل إسرائيل في تحقيق هدفها المركزي -اغتيال قيادات حماس- كما أعلنت الحركة نفسها، قد يرتد عليها. فهي لم تكتف بالمغامرة باستقرار المنطقة، بل أخفقت في تسجيل إنجاز نوعي. وثمّة من يرى في هذا السياق أنّ هذا الفشل يضاعف الغضب الدولي، ويمنح المقاومة ورقة سياسية ومعنوية، فيما يعقّد أي مسار للتسوية بعد أن باتت قطر، رأس حربة الوساطات، في موقع المستهدَف.

من هنا، يمكن القول إن العدوان الإسرائيلي على قطر ليس مجرد عملية عسكرية، بل منعطف سياسي واستراتيجي كبير، فهو إعلان عملي عن مرحلة جديدة من الانفلات الإسرائيلي، تحاول تل أبيب من خلالها فرض قواعد اشتباك مختلفة، تتجاوز الخطوط الحمر وتختبر قدرة الآخرين على الرد أو الردع، بمعزل حتى عن موقف الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين، الذين حاولوا في ردود فعلهم احتواء ما جرى، ومنع انزلاق الأمور إلى ما هو أسوأ.

لكن بين هذا وذاك، يبقى الأكيد أنّ ما جرى يمكن أن يكون بداية لمرحلة أشد خطورة، تُسقط معها آخر الأوهام عن إمكان حصر الحرب في غزة وحدها، والجبهات المتفرّعة عنها بطبيعة الحال، إذ إنّ العدوان على الدوحة، بكل ما يمثله من رمزية سياسية ودبلوماسية، قد يفتح الباب أمام سلسلة تداعيات تمتد من الخليج إلى شمال أفريقيا، ليكرّس معادلة إقليمية جديدة: إسرائيل بلا قيود، والشرق الأوسط على فوهة انفجار شامل.