في أيلول من كل عام، تُفتح أبواب ​الجمعية العامة للأمم المتحدة​ أمام قادة العالم ليعتلوا منبرها، لكن دورة العام 2025 تُنذر بأن تكون مختلفة، ليس لأنها مجرد منصة جديدة لإلقاء خطابات روتينية، بل لأنها قد تحمل لحظة مفصلية تتعلق ب​القضية الفلسطينية​ التي قد تشهد اعتراف عدد متزايد من الدول بدولة فلسطين ككيان مستقل، بما يحولها من "قضية" إلى "دولة تحت الاحتلال".

بحسب المتفائلين بهذا الاعتراف، فإنه إذا تحقق، سيعني على المستوى الدولي نقلة نوعية في المشهد السياسي فقط، فهو يضع إسرائيل أمام مأزق داخل الشرعية الدولية، بحيث لم تعد المسألة "نزاعاً على الأرض" بل أصبحت احتلالاً لدولة معترف بها رسمياً، بما يحوّل أي إجراء إسرائيلي من استيطان أو عدوان عسكري إلى خرق مباشر للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، كما يمنح الفلسطينيين أدوات جديدة أمام محكمة الجنايات الدولية والمحافل القانونية، ويضاعف الضغط على العواصم الغربية المترددة بين خطابها الحقوقي ومصالحها الإستراتيجية مع تل أبيب.

لكن على الأرض، الصورة أكثر تعقيداً، فإسرائيل أثبتت على مدى عقود أنّها تتعامل مع أي إنجاز سياسي فلسطيني باعتباره تهديداً وجودياً، وترد عليه بالأدوات التي تجيدها، أي المزيد من الاحتلالات، تكثيف مخططات التهجير، زيادة وتيرة القصف والقتل، وتفتيت لأي مظهر من مظاهر الدولة، وهذا تحديداً ما تقوم به تل ابيب في غزة وفي مناطق وبلدات الضفة الغربية.

اليوم، إسرائيل لا تملك سوى لغة الحرب العسكرية، وهي صاحبة المبدأ الذي يقول "حقق الهدف بالقوة، فإن لم تستطع فبمزيد من القوّة"، وهي تقرأ أي اعتراف دولي بفلسطين كتهديد لمشروعها القائم على "أرض بلا شعب لشعب بلا أرض"، وبالتالي ستسعى لتدمير أي بنية تحتية يمكن أن تشكل أساساً لدولة، من الموانئ والمعابر إلى الجامعات والمستشفيات، مروراً بتهجير جماعي يبدد أي استقرار سكاني ضروري لبناء كيان سياسي.

المفارقة أنّ الاعتراف الدولي لا يحمي وحده، حتى ولو كان يمنح الفلسطينيين ورقة ضغط إضافية. فإذا باتت فلسطين عضواً كامل العضوية أو دولة معترف بها على نطاق واسع، فإن أي عدوان إسرائيلي لم يعد مجرد "عملية أمنية" بل اعتداء على دولة ذات سيادة، بما يفتح الباب أمام عقوبات، مقاطعات، وربما حتى تدخلات سياسية واقتصادية أكثر جدية. صحيح أن الإرادة الدولية غالباً ما تُشل عند لحظة القرار بسبب الفيتو الأميركي أو المصالح الأوروبية، لكن اتساع دائرة الاعتراف ينقل المعركة من كونها نزاعاً محصوراً إلى قضية عالمية تتصل بمصداقية النظام الدولي برمته.

من هنا، يمكن القول إن ​الاعتراف بدولة فلسطين​ في الجمعية العامة، ولو لم يكن له قوة تنفيذية وقانونية على الأرض، يشبه وضع حجر الأساس لبيتٍ جديد، لكن هذا البيت سيظل مهدداً بالجرافات الإسرائيلية وبالعجز الدولي.

باختصار، الاعتراف الدولي بدولة فلسطين ليس خاتمة الطريق بل بدايته، إنه إعلان سياسي يضع إسرائيل في سباق مع الزمن لمحاولة نسف مكونات الدولة قبل أن تتجذر، لذلك فليس من المتوقع للإسرائيلي الذي يرفض حل الدولتين سوى أن يبادر بمزيد من الإجرام، والمزيد من الإستيطان.