صَليبٌ هوَ لبنانُ.
مُعَلَّقٌ بَينَ الأَرضِ والسَماءِ. مُذ كانَ.
نَبَتَ كَفَرعٍ مَنَ الرَبِّ، وَكَأَصلٍ في مُحيطٍ قاحِلٍ. حَمَلَ آلامَ أُمَمٍ كَثيرَةٍ، وَإِحتَمَلَ أَوجاعَها فَحَسِبَتهُ مَضروباً مِنَ الأُلوهَةِ ذَليلاً. طُعِنَ بِسَبَبِ مَعاصيها وَسُحِقَ بِسَبَبِ آثامِها. نَزِلَ بِهِ العِقابُ مِن أَجلِ سَلامِها وَبِجِراحِهِ شُفِيَت. وَقَد حَمَلَ خَطايا كَثيريها وَشَفَعَ في مَعاصيهِمِ.
وَأَكثَرَ. الأُمَمُ تَشهَدُ لَهُ: "لِأَنَّ مَعاصينا كَثُرَت تِجاهَكَ وَخَطايانا شاهِدَةٌ عَلَينا، لِأَنَّ مَعاصينا مَعَنا وَآثامَنا عَرِفناها: العِصيانُ والكَذِبُ على الرَبِّ، والإِرتِدادُ مِن وَراءِ إِلَهِنا، والنُطقُ بِالظُلمِ. حَبِلنَا وَلَهَجنَا بِكَلامِ الكَذِبِ... فَإرتَدَّ الحَقُّ إلى الوَراءِ وَوَقَفَ العَدلُ بَعيداً لِأَنَّ البِرَّ سَقَطَ في الساحَةِ والإِستِقامَةُ لَم تَقدِر الدُخولَ. صارَ الحَقُّ مَفقوداً والمُعرِضُ عَنِ الشَرِّ مَسلوباً." (أشِعيا 59/12-15).
وَأَكثَرَ بَعدُ. الرَبُّ يَشهَدُ لَهُ: "روحِيَ الذي عَلَيكَ وَكَلامِيَ ألْجَعَلْتُهُ في فَمِكَ لا يَزولُ مِن فَمِكَ، وَلا مِن فَمِ نَسلِكَ، وَلا مِن فَمِ نَسلِ نَسلِكَ، مِنَ الآنَ وَلِلأَبَدِ." (أشِعيا 59/21). وَهوَ سَبَقَ أَن أَقامَ عَهداً مَعَ نَفسِهِ مِن أَجلِهِ، هَذا الُلبنانُ: "أَلَيسَ عَمَّا قَليلٍ يَتَحَوَّلُ لبنانُ فِردَوساً والفِردَوسُ يُحسَبُ غاباً؟" (أشِعيا 29/17)، وَأَكَّدَهُ بِذاتِهِ لِذاتِهِ مِن هَذا الُلبنانَ: "لِتُزهِر أزهاراً وَتَبتَهِجِ إِبتِهاجاً مَعَ هُتافٍ. قَد أُتيتَ مَجدَ لبنانَ... قولوا لِفَزِعي القُلوبِ: تَقَوّوا وَلا تَخافوا." (أشِعيا 35/4.2).
لبنانُ هوَ صَليبٌ.
حَمَلَ آلامَ الأَرضِ وَأَوغَلَها في السَماءِ. مُذ كانَ.
هوَ كَمالُ الأَبَدِيَّةِ المُكتَمِلَةِ فيهِ، وَمِنهُ تَستَلزِمُ ذاتَها تَواصُلاً. قَصَرَ الفِكرُ الإِغريقِيُّ عَن بُلوغِهِ، طَوعاً وَتَهَرُّباً، وَأَنكَرَهُ الفِكرُ الغَربِيُّ، عُنوَةً وَتَباهِياً، فَإِنتَهَيا مَعَاً في عِبادَةِ ذاتِيَّتَيهِما حدَّ الإِنتِحارِ تِخَلُّصاً مِن وِحشَتِهِما. وَنَصَّبَ العِبرانِيُّونَ أَنفُسَهُم إِلَهاً أَوحَدَ قَيوماً لا يُقَدِّمُ حِساباتٍ لِأَحَدَ، وَيُقَرِّرُ عَلى مِزاجِهِ فَصلَ الخَيرِ وَفُصولَ الشَرِّ بِإنعِزالِهِ حِتَّى عَن ذاتِهِ، في إِستِعلاءٍ لا حَدَّ لِنوالِهِ. وِفي بَغيِّ العُدوانِيَّةِ هَذِهِ، تَبادَلوا صَنَمِيَّاتِ التَأَلُّهِ وَقَبائِلَ المَشرِقِ، بِتَشارُكِيَّاتِ إِستِنباطاتِ المَوتِ... الَذي إنتَهى بِمُحاصَرَتِهِمِ مَعَاً.
تَقَدُّمِيَّةُ الماهِيَّةِ
الصَليبُ لبنانُ: ماهِيَّةٌ تَقَدُّمِيَّةٌ.
سِرُّها جَوابُ الإِيجابِ عَلى سُؤَالٍ: هَلِ الأُلوهَةُ فيهِ، هَذا الُلبنانُ، أَم هوَ فيها؟
أَجَل! لبنانُ يَعقِلُ الحَقَّ مَوسوماً بِدَمغَتِهِ، وَيَعقِلُ حَقيقَةَ الأُلوهَةِ مَوسومَةً بِدِمائِهِ. بِإِدراكاتِهِ، هوَ الرابِطُ الأَرضَ بِالسَماءِ كَما المَسيحُ رابِطٌ السَماءَ بِالأَرضِ. مِنهُ خَلاصُ الأُمَمِ، كَما مِنَ المَسيحِ خَلاصُ البَشَرِ. أَحَدُهُما مِنَ الآخَرِ وَإِلَيهِ، كَما لا مِعنى لِأَحَدِهِما إِلَّا بِالنِسبَةِ الى الآخَرِ. في هَذِهِ الكُلِيَّةِ، لا يُعمَلُ أَداءٌ لِواجِبٍ، إِنَّما إِنسِجامُ التَوكيدِ في السَيرِ الى ما الَّلانِهايَةِ... بُلوغاً الى ما بَعدَ بَعدَ بَعدِها: تَوكيدُ العَهدِ في القيامَةِ.
لبنانُ الصَليبُ: تَقَدُّمِيَّةُ الماهِيَّةِ.
جَوهَرُها ماهِيَّتانِ في ماهِيَّةٍ واحِدَةٍ: الأُلوهَةُ وَلبنانُ، لبنانُ والأُلوهَةُ.
أَجَل! الواحِدُ قَرينَةٌ مَلموسَةٌ عَنِ الآخَرِ، تَتويجٌ بِالمَجدِ لِلآخَرِ. وَفي هَذا، عِلَّةُ الخَليقَةِ: أُمَماً وَبَشَراً. وَمِنَ الإِستِحالَةِ بِمَكانٍ ‒مَهما تَناطَحَ إِغريقُ الفِكرِ وَمَوروثيهِ، وَمَهما تَفاظَعَ طَواغيتُ العِبرانِيِّينَ وَمَوروثيهِمِ، وَتَهافَتَ بَنو قَبائِلَ المَشرِقِ الى عُبودِيَّاتِ ثَرَواتٍ وَأَشباهَها‒ تَغافُلُ الإِقرارِ بِها.
قُلّ: لبنانُ الصَليبُ، مِلءُ الحُضورِ الَّلايُمكِنُ أَن يَتَعَقَّلَ مَصلوباً، نازِفاً، مُنتَهياً، لِأَنَّ مَفهومَ ماهِيَّتِهِ وَماهِيَّةِ مَفهومِهِ يِتَضَمَّنُ الكَينونَةَ الكامِلَةَ. هوَ بُرهانُها، مِن مُتَناهيَ الأَرضِ الى لامُتَناهيَ السَماءِ.
قُلّ بَعدُ: لبنانُ الصَليبُ، إِكتِمالُ الأَبَدِيَّةِ... مُحَقِّقَةِ تاريخَ الأُلوهَةِ والخَلقِ. بِالفِداءِ مِن دَنَسِ حَمأَةِ الضَلالِ والجُحودِ.






















































