رأى المسيحيُّون بالصليب، منذ البداية، علامة انتصار الربِّ يسوع المسيح على الموت، ولم يفصلوه عن القيامة المجيدة، فلا قيامة دون صليب، ولا صليب دون قيامة. وقد عبَّروا عن غلبة يسوع برموز عديدة، فظهرت السمكة مثلًا، لكون كلمة سمكة باليونانيَّة هي «ΙΧΘΥΣ - Ichthys»، وتمَّ ربط كلِّ حرف منها بالربِّ، فأصبحت تعني "Iēsous Christos, Theou Yios, Sōtēr أي يسوع المسيح، ابن الله، المخلِّص". وتناقلها المسيحيُّون فيما بينهم كرمز لهم، خاصَّة في أيَّام الاضطهاد. ولا ننسَ أنَّ الرسل كانوا صيَّادي سمك وجعلهم الربُّ صيَّادي الناس للملكوت (متَّى 4: 19). وكانت الأسماك ترمز إلى الحياة والخصوبة والغذاء فأصبحت في المسيحيَّة رمزًا للحياة مع المسيح والنموِّ الروحيِّ والإفخارستيَّة.
واعتُمد أيضًا الحرفان الأوَّلان من اسم المسيح في اليونانيَّة XP « Christos- Χριστός» رمزًا للمسيح Christogram، بحيث وضع حرف P في وسط حرف X، وقد اُستعمِلَ من قبل الإمبراطور قسطنطين الكبير على أثر الرؤيا الَّتي شاهدها في العام 312 م بحيث وضع على الرايات labarum.
وبعد مرسوم ميلانو في العام 313 م الَّذي أقرَّه
قسطنطين وليكينيوس Licinius الَّذي أعطى الحرِّيَّة الدينيَّة للمسيحيِّين وأوقف الاضطهاد ضدَّهم وبدأوا يشيِّدون الكنائس، ظهرت الصلبان والرموز المسيحيَّة في الأماكن العامَّة والنواميس، ونقش XR والصليب على العملات، كما وجدت في دياميس روما. كما كان يُنقَش أيضًا الحرف الأوَّل A والأخير W من الأبجديَّة اليونانيَّة إشارة إلى ما قاله يسوع عن نفسه بأنَّه البداية والنهاية: «أنا هو الألف والياء، البداية والنهاية» (رؤيا 1: 8). ونذكر أنَّ المسيحيَّة أصبحت الدين الرسميَّ للامبراطوريَّة مع الإمبراطور ثيودوسيوس في 27 شباط من العام 380 م، وذلك بمرسوم تسالونيكي (Edict of Thessalonica).
كما كانت الصلبان بشكل عام في حوالي القرن الرابع بدون المصلوب للتركيز على القيامة، ولكن كان يوجد عليها الحرفان AW كما ذكرنا أعلاه وفي أسفله أزهار تعبيرًا عن الفرح القياميِّ والحياة الجديدة. وصُوِّر لاحقًا المصلوب على الصليب بوضع المنتصر وليس المهزوم.
وهناك جداريَّة في بازيليك Santa Maria Maggiore في إيطاليا تعود إلى القرن الثامن الميلاديِّ مِن تصوير أنطاكيٍّ حيث نرى يسوع مصلوبًا يلبس قميصًا طويلًا (χιτῶνα Khitona - colobium) يشبه القميص الَّذي يرتديه في مشهد الصلب في إنجيل رابولا السريانيِّ (586 م)، ولكن في جداريَّة روما، يسوع عيناه مفتوحتان، إشارة إلى قيامته بسلطان طبيعته الإلهيَّة لكونه مات فقط بطبيعته البشريَّة.
ولأنَّ يسوع هو نور من نور، وهو إله من إله، فإنَّ الصليب المقدَّس يشعُّ منه نور القيامة، والعلاقة بين النور الإلهيِّ والصليب ظهرت بقوَّة منذ بداية المسيحيَّة. فيوجد مثلًا في كاتدرائيَّة Basilica of Sant' Apollinare in Classe, Ravenna فسيفساء لحادثة التجلِّي حيث كشف يسوع عن طبيعته الإلهيَّة، تعود إلى العام 549 م، واللافت أنَّه عوضًا عن أن يكون الربُّ واقفًا متجلِّيًا استبدل بصليب مرصَّع وفي وسطه وجه الربِّ. يعرف هذا النوع بـ Crux Gemmata، وهي تسمية لاتينيَّة تعني الصليب المرصَّع والمزيَّن بالأحجار الكريمة. فالإله الَّذي تجلَّى هو الَّذي صُلِب وهو الَّذي قام وأقامنا معه وجعلنا أبناء النور.
كذلك نلاحظ وجود الصليب داخل الهالة حول رأس يسوع في الأيقونات، في أيقونة الضابط الكلِّ المحفوظة في دير القدِّيسة كاترينا في سينا، وتعتبر أقدم أيقونة للربِّ بشكل واضح (القرن السادس). كذلك هو موجود على الإنجيل الَّذي يحمله في يده اليسرى.
ونشاهد في الكاتدرائيَّات في الغرب تنوُّعًا في تصوير الصليب وزخرفته، مثل الفسيفساء في بازيليك San Clemente في روما الَّتي تعود إلى القرن الثاني عشر، حيث نشاهد الصليب كشجرة الحياة إشارة إلى شجرة الحياة في سفر التكوين وفي سفر الرؤيا والَّتي هي جسر العبور إلى الحياة الأبديَّة تمامًا كما هو الصليب الَّذي يعبر فينا من الموت إلى الحياة. وهي شجرة الغلبة على الشرِّير وأعماله. تحت الصليب نشاهد والدة الإله والقدِّيس يوحنَّا الإنجيليَّ.
التصوير أنطاكيٌّ حيث الصليب هو المحور، وتتَّصل به أوراق الـ Acanthus الدائمة الخضرة الَّتي تشير إلى الحياة الأبديَّة وعدم الموت، وهو محاط بالكروم الَّتي تمتدُّ إلى البشريَّة جمعاء، لأنَّ يسوع هو الكرمة الحقيقيَّة، ويدعونا للالتصاق به كما قال لنا: «أنا الكرمة الحقيقيَّة وأبي الكرَّام. كلُّ غصن فيَّ لا يأتي بثمر ينزعُه، وكلُّ ما يأتي بثمر ينقِّيه ليأتي بثمر أكثر» (يوحنَّا 15: 1-2). كأن بذلك شجرة الحياة هي الرب يسوع المسيح كما يشرح الكثير من الآباء القدّيسين.
والحمامات البيضاء الاثنتا عشرة المزيَّنة على الصليب تمثِّل الرسل الاثني عشر. وفوق الصليب توجد يد الله الآب، حاملة إكليلًا، رمزًا للنصر الَّذي حقَّقه يسوع على الصليب.
فوق الصليب توجد يد الله الآب، ممسكة بتاج أو إكليل -رمزًا للنصر- وأحيانًا تُصوَّر ممسكة بصاعقة، مُستلهمة من الصور الكلاسيكية.
نشاهد تحت الصليب آيلة تروي عطشها من ينابيع أربعة، فمع المسيح، عدن الجديدة، نرتِّل: «كما يشتاق الأيِّل إلى جداول المياه، هكذا تشتاق نفسي إليك يا ألله» (مزمور 42: 1).
تأخذنا الفسيسفاء إلى الملكوت السماويِّ وهذا تمامًا ما تشير إليه الخلفيَّة الذهبيَّة حيث الذهب الصافي يرمز إلى النور الإلهيِّ الَّذي لا يعروه مساء، كما يرتِّل الكاهن في سحر أحد الفصح المجيد عندما يقف أمام الباب الملوكيِّ حاملًا شمعة مضاءة ليشعل المؤمنون شمعاتهم منها: «هلمُّوا خذوا نورًا من النور الَّذي لا يغرب. ومجِّدوا المسيح الناهض من بين الأموات».
في الخلاصة، مهما كتبنا عن الصليب المقدَّس واستفضنا، نبقى نشاهد من بعيد إن لم نحمل صليبنا وننكر أنفسنا ونتبع المسيح إلى القيامة المجيدة.
إلى الربِّ نطلب.

























































