لا تسعى إسرائيل إلى اتفاقيات من أجل الاتفاق، فهذه مرحلة مضت بالنسبة إليها حين كان التوقيع ذاته يُعتبر إنجازاً سياسياً ودبلوماسياً. اليوم، باتت ترى أن لا قيمة لأي تفاهم ما لم يلبِّ شرطها الأول والأخير المتمثل بضمان أمنها الاستراتيجي والتمهيد لتحقيق المشروع الأكبر، وإن لم يتحقق هذا الشرط، فلا ضير في غياب التفاهم، إذ تستطيع القوة العسكرية أن تؤدي الدور وحدها.
المنظومة الأمنية الإسرائيلية لم تعد تكتفي بالدفاع التقليدي أو بانتظار المفاوضات، بل هي تبتكر معادلة جديدة عنوانها استخدام الضربات العسكرية المتكررة كأداة لردع الخصوم، وإعادة صياغة البيئة المحيطة بما يخدم أمنها، فما تقوم به إسرائيل في سوريا ولبنان والمنطقة ليست عمليات عشوائية، بل جزء من إستراتيجية تقوم على استهداف البنية العسكرية للخصوم، وتدمير خطوط الإمداد والتسليح، ومنع أي تمركز يغيّر ميزان القوى.
بالنسبة إلى تل ابيب فإن ما تحقق من خلال القوة العسكرية خلال العامين الماضيين عجز عن تحقيقه التفاوض لسنوات، لذلك لا تخوض التفاوض مع السوريين من اجل الوصول إلى اتفاق، بمعنى أن ليس الهدف التفاوض المباشر مع سوريا، ولا الوصول إلى اتفاق أمني معها وهو ما كان يُعتبر سابقاً انجازاً بحدّ ذاته، بل الهدف تحقيق المشروع، سواء بالقوة العسكرية أو بالتوصل لاتفاق، لذلك هناك اختلاف بين نظرة دمشق للاتفاق ونظرة اسرائيل.
ما تُريده من سوريا واضح تماماً، ويبدأ أولا من عدم القدرة على بناء دولة قوية يكون أساسها "الإسلام السياسي" الذي لا ترى فيه اسرائيل سوى العدو المستقبلي لها، وثانياً ضرب المكونات السورية وتقسيمها ولو نظرياً بالمرحلة الأولى، ثالثا خروج الدولة السورية من الجنوب السوري الذي سيكون خاضعاً للسيطرة الإسرائيلية، رابعاً منع الأتراك من بناء أي وجود عسكري من قلب سوريا باتجاه جنوبها، وأخيراً إبقاء بعض النقاط المحتلة تحت سلطتها مثل نقطة جبل الشيخ، ومنع عودة أي نفوذ إيراني إلى سوريا وتحديداً إلى جنوبها.
تقول إسرائيل بعملياتها العسكرية في سوريا، أنها لا تريد تفاوضاً يقيّد حركتها، وهو مماثل تماماً لموقفها في لبنان حيث ترفض تقديم أيّ تنازلات لا تراها ضرورية طالما أنها قادرة على رسم المعادلات بالنار، وهذا المنطق هو ما يجعل خطر التصعيد العسكري قائم ومستمر، لأن العدو الإسرائيلي لا يرى بالتفاوض حاجة ولا وسيلة لتحقيق أهداف طالما أن القوة العسكرية حاضرة ومتحررة ومتمكنة، وقادرة على تحقيق إنجازات سريعة وحاسمة.
لكن لهذه السياسة ثمن. فبدلاً من بناء استقرار طويل الأمد، تفتح إسرائيل أبواب مواجهات متكرّرة، خصوصاً أن الضربات القاسية التي نفذتها لم تُسقط الخصوم الذين هم بطور التعبئة من جديد، وبالتالي فإن كل الجبهات التي فتحتها لم تتمكن من إقفال أي منها بعد كما لم تتمكن من تسييل الإنجازات العسكرية على شكل إنجازات سياسية واضحة وجلية.
نعم قد تمنح "القوة" إسرائيل حضوراً على المدى القصير، لكن القوة لا تستطيع أن تكون بديلاً دائماً عن السياسة، والرهان عليها وحدها سيجعل المنطقة بركاناً ينتظر الإنفجار.























































