أإلى هذا الحَدِّ يَبلُغُ الحِقدُ الأعمى مَبلَغَ الإجرامِ، فَيَستَدرِجَ العَدوَّ لِوَضعِ المُجَمَّعِ الدينيِّ التاريخيِّ الأَعظَمَ في العالَمِ القَديمِ بِدائِرَةِ إستِهدافاتِهِ؟ عِندَها، أيُّهُما أكثَرُ إجراماً بِحَقِّ لبنانَ مِنَ الآخَرِ: الحاقِدُ-المُحَرِّضُّ أمِ العَدوّ-الحَقودُ؟
أإلى هذا الحَدِّ يَبلُغُ الغَباءُ الأعمى مَبلَغَ الإسفافِ، فَيَنبَري صَوتٌ يوازي الَّلاصَوتَ، مُدَّعِياً ‒بِإسمِ الثَقافَةِ، والثَقافَةُ إكتِناهُ أبعادِ الحَضارَةِ وَبَعثُها حَيَّةً‒ أنَّ بَعلَبَكَّ، هَياكِلُ الثالوثِيَّةِ الُلبنانِيَّةِ-الفينيقِيَّةِ: الإلَهُ الأبُ، الإلَهَةُ الأُمُّ، الإلَهُ الإبنُ، هي "قَلعَةٌ"؟
بَينَ إستِسهالِ الحِقدِ وَإستِسهالِ الغَباءِ ‒وَكِلاهُما مُتَعادِلٌ في الإجرامِ بِحَقِّ لبنانَ‒، لبنانُ ضَحِيَّةُ مَن فيهِ مُدَّعِياً نِسبَتَهُ إلَيهِ، قَبلَ أن يَكونَ ضَحِيَّةَ خارِجٍ عَداوَتُهُ مِن طَبيعَتِهِ التَكوينِيَّةِ.
يَومَ بَدأ الُلبنانِيُّونَ-الفينيقِيُّونَ يُرَصِّعونَ بَعلَبَكَّ بِهياكِلِها، رَوعَةَ رَوعاتِ الإمبراطورِيَّةِ الرومانِيَّةِ مُحتَلَّةِ العالَمَ القَديمَ المَعلومَ بِأسرِهِ، تَعالى صَوتُ مُفَكِّرِ روما بلينَ الشابِّ Caius Plinius Caecilius Secundus، صارِخاً: "إن وَطِئتَ أرضَ لبنانَ، إخلَع نَعلَيكَ، وَإحتَرِم آلِهَتَهُ"، مُتأثِّراً بِما سَبَقَ وَدَوَّنَهُ خالُهُ العالِمُ الكَبيرُ بلينوسَ Caius Plinius في مؤَلَّفِهِ-المَرجَعِ المُكَوَّنِ مِن 37 مُجَلَّداً بِعُنوانِ: التاريخُ الطِبيعِيُّ Naturalis Historia، أنَّ لبنانَ هو "أرضُ الأُلوهَةِ Libanus terra divinitatis".
يَومَها، كانَ هَمُّ الشابِّ الرومانِيِّ وَخالِهِ لَفتُ نَظَرِ مواطِنيهِما، على إمتِدادِ الإمبراطورِيَّةِ، أنَّهُمُ يُؤَلِّهونَ آلِهَةً مُتَعَدِّدَةً، وَلو رَتَّبوها بِسَلاسِلَ مُتَدرِّجَةٍ، فَكُلُّها نَوعٌ مِنَ الشَرْكِ بَينَ الطَبيعَةِ والَّلاعَقلِ والخَوفِ، وَلَيسَ إلّا في لبنانَ وَمِنهُ، عَقلانِيَّةٌ ذاتِيَّةٌ إرتَقَت الى ظَهورِيَّةٍ أعلَتِ الأُلوهَةَ وَرَتَّبَتِ الإنسانَ بِمُحاذاتِها.
يَومَها، كانَتِ الوثَنِيَّةُ في ذُروَتِها المُضطَهِدَةِ، والمَسيحِيَّةُ بَعدُ في نَشأتِها المُضطَهَدَةِ. وَكانَ الرومانِيُّ الشابُّ وَخالُهُ يَبغيانِ مِن إعلائِهِما شأنَ لبنانَ بانِيَ بَعلَبَكَّ الإلَهِيَّةِ أن يَدخُلا الى عُمقِ التَساؤلِ الإنسانِيِّ: هَلِ الإنسانُ حُرٌّ؟ لَيسَ التَساؤلُ بِحَديثٍ. الإغريقُ سَبَقَ وَجَعَلوهُ إشكالِيَّةً، وَما أوجَدوا لَهُ قَناعَةً.
هُنا، قَبلَهُمُ كُلُّهُمُ، بيبلوسُ، حاضِرَةُ لبنانَ الروحِيَّةِ عَلَّمَت وَعَمَّمَت على حاضِراتِهِ أنَّ مَنبَعَ حُرِيَّةِ الإنسانِ مِن مِلءِ الوجودِ الذي هو الأُلوهَةُ. والأُلوهَةُ ثالوثٌ: أبٌ خالِقٌ، وَأُمٌّ أحشاءُ الخَلقِ، وَإبنٌ مَخلوقٌ. والخَليقَةُ هي إزاءَ الخالِقَ. لا مِنَ الصِدفَةِ هي، وَلا مِنَ السِحرِ. لا الى الفَراغِ مآلُها وَلا الى النِهاياتِ.
التَعَجُّبُ المُتَمِّمُ
أن يَستَسلِمَ الإنسانُ لِما أسماهُ الإغريقُ والرومانُ قَدَراً، ذاكَ ما نَقَضَتهُ بيبلوسُ عاصِمَةُ لبنانَ الروحِيَّةِ، وَدَفَعَت بِهِ الى عُمقِ الداخِلِ الُلبنانِيِّ. الى بَعلَبَكَّ: حاضِرَةُ سَهلِ البِقاعِ، "إهراءُ روما"، ألْمُشبِعَتُها قوتاً أرضِيَّاً، الواقِفَةُ عاريَةً إلَّا مِن حَقيقَتِها، والناظِرَةُ "بُرجاً"، الى حِمصَ-Emesa عاصِمَةِ فينيقيا-لبنانَ الداخِلِيَّةِ، مُلتَقى قَوافِلَ المَشارِقِ.
أجَل! مِن بيبلوسَ الى بَعلَبَكَّ، لبنانُ الفاعِلُ، مُعلي حَقيقَةَ أنَّ الأُلوهَةَ تَفعَلُ في الإراداتِ البَشَرِيَّةِ، فَتُقيمُ سُنَنَ المادَّةِ، والفِكرِ، والحَياةِ. وَهذا هو الإيمانُ: تَفاعُلُ إرادَةِ الإنسانِ وإرادَةِ الأُلوهَةِ. لا هو إٍستِعبادٌ وَلا خُضوعٌ لِخَوفٍ مِن خَوفٍ.
أجَل! لبنانُ، مِن بيبلوسَ الى بَعلَبَكَّ، مَسؤولِيَّةُ الزَمَنِ في التاريخِ. في التَعَجُّبِ المُتَمِّمِ، وَهوَ تَلازُمٌ مُزدَوِجٌ: تَعَجُّبُ الإنسانِ في الأُلوهَةِ، وَتَعَجُّبُ الأُلوهَةِ في الإنسانِ. بيبلوسَ أعلَتهُ إعجازاً لاهوتِيَّاً أتَتِ المَسيحِيَّةُ لِتُكَرِّسَهُ، مُحَقِّقَةً إيَّاهُ في المَسيحِ. وَبَعلَبَكُّ أعلَتهُ إعجازاً هَندَسِيَّاً، أتى العِلمُ لِيَنذَهِلَ أمامَهُ فَيُعلِنَهُ آتِياً مِن خارِجِ عَوالِمَ البَشَرِ.
أهذا الُلبنانُ-الإيمانُ، المُشبِعُ السماواتَ لَهَفاتِ التَعَجُّبِ المُتَمِّمِ-المُحَرِّرِ، ما يَبغي تَحالُفُ إستِسهالِ الحِقدِ وإستِسهالِ الغَباءِ القَضاءَ عَلَيهِ؟
ذاكَ هو السؤالُ!.























































