قد لا يكون مفاجئًا كلام رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عن "نافذة سلام" مع الجوار الشمالي، قاصدًا بذلك لبنان وسوريا تحديدًا، بنتيجة ما وصفها بـ"الانتصارات" التي حقّقتها تل أبيب على "حزب الله"، والتي لم يكن في الخيال وفق تعبيره، لكنه بالتأكيد ليس تفصيلاً لغويًا أو دعاية عابرة في سياق معركة سياسية داخلية، أو حتى في سياق الحرب النفسية الإسرائيلية المفتوحة منذ ما قبل اغتيال الأمين العام السابق لـ"حزب الله" السيد حسن نصر الله.
غما قاله رئيس الوزراء الإسرائيلي قبل مغادرته إلى نيويورك، للمشاركة في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، هو بمثابة إعلان عن عقيدة سياسية مستجدّة يسعى اليمين الإسرائيلي لترسيخها منذ السابع من تشرين الأول 2023، والتي يصحّ وصفها بـ"السلام بالقوة" بدل معادلة "الأرض مقابل السلام"، وهو ما يتجلّى بوضوح في مختلف الجبهات التي تقاتل إسرائيل على خطّها منذ عملية "طوفان الأقصى" الشهيرة.
لكنّ المفارقة أنّ هذا الخطاب يأتي متزامنًا مع مجازر وحشيّة على الأرض، آخرها في بلدة بنت جبيل اللبنانية، حيث سقط خمسة شهداء بينهم أطفال في حصيلة دموية قد تكون الأعلى منذ أشهر، ومع خروق متواصلة للسيادة السورية، على الرغم ممّا يُحكى عن اتصالات متقدّمة بين الجانبين السوري والإسرائيلي، ما يجعل الترويج لسلامٍ من هذا النوع أقرب إلى الاستفزاز المعلن منه إلى عرضٍ جديّ للتسوية.
في الشكل، يسعى نتنياهو إلى استثمار اللحظة الإقليمية والدولية عبر الإيحاء بأنّ إسرائيل خرجت "منتصرة" من المواجهة المفتوحة مع "حزب الله"، وأنّها نجحت في توسيع هوامش حركتها في سوريا، وبالتالي فإنّها صارت في موقع يمكّنها من فرض شروطها على أي مسار سياسي. لكن، كيف تُقرَأ هذه المشهديّة في الجوهر؟ وهل يتحوّل مفهوم "السلام"، أقلّه في قاموس تل أبيب، إلى تكريس لموازين قوى جديدة تصبح معها "الحاكمة بأمرها"؟!.
ليس سرًا أنّ رئيس الوزراء الإسرائيلي يتصرّف على أساس أنّ المنطقة تعيش "زمنًا إسرائيليًا" جديدًا، فهو يفعل ما يشاء في غزة، بل يكرّس الإبادة الجماعية كأمر واقع، ويشرّع "حرية الحركة" لجيشه في لبنان، ويضرب أينما شاء في المنطقة. وبالتالي، بعدما جرى التسويق لمعاهدة "أبراهام" كمدخل لتطبيع بلا أثمان سياسية، ها هو اليمين الحاكم يطرح معادلة أبعد: لا تنازل، ولا حتى مبدأ الاعتراف بحقوق الآخرين، بل فرض وقائع بالقوة ثم الدعوة إلى القبول بها كأمر واقع.
بهذا المعنى، لم تكن جملة نتنياهو عن "الهزيمة التي أُلحقت بحزب الله" مجرّد تعبير عن ثقة بالنفس، بل محاولة لإنتاج "سردية انتصار" تتيح له مقايضة الداخل والخارج معًا: في الداخل، طمأنة جمهوره أنّ الأمن تحقّق رغم كلّ التهديدات، وأنّ ما بعد الحرب الأخيرة ليس كما قبلها؛ وفي الخارج، فتح باب الحديث عن "سلام ممكن" مع لبنان وسوريا، شرط أن يكون سلامًا على المقاس الإسرائيلي، وهو ما بدأ يُعمَل عليه أساسًا في سوريا على الأقلّ.
لكنّ هذه المقاربة سرعان ما تُصطدم بالوقائع، وقد جاء تصريح نتنياهو عن "السلام مع الجيران في الشمال" قبل ساعات فقط من مجزرة بنت جبيل، وفيما الخروقات لاتفاق وقف إطلاق النار مستمرّة بصورة يومية، ما جعل الخطاب يبدو وكأنّه يتحدّى الدماء مباشرة. فكيف يمكن لإسرائيل أن تطرح نفسها طرفًا يبحث عن السلام، فيما هي تواصل اعتداءاتها على السيادة اللبنانية آلاف المرّات، وتقتل المدنيين بلا رادع؟.
الحصيلة خلال الأشهر الماضية واضحة: أكثر من 270 شهيدًا منذ اتفاق وقف إطلاق النار في تشرين الثاني، واحتلال التلال اللبنانية الخمس التي سيطرت عليها إسرائيل في هجومها الأخير. هذه الوقائع تعني أنّ الجنوب اللبناني يعيش تحت ضغط يوميّ من الانتهاكات، وأنّ أي كلام عن "سلام" لا يتجاوز حدود الدعاية ما لم يتوقف الاحتلال فعليًا، وبالتالي فإنّ ما يجري هو "حرب استنزاف" أكثر مما هو "حسم استراتيجي".
المفارقة أنّ إسرائيل، بتصرّفاتها هذه، تمنح القوى اللبنانية الرافضة للتسوية على المقاس الإسرائيلي المزيد من الحجج. فكيف يمكن إقناع الرأي العام الجنوبي، الذي يشيّع أطفالًا شهداء، بأنّ "سلام القوة" سيحميه؟ بل كيف يمكن فرض تسوية في ظلّ غياب أي ضمانة دولية جديّة، وفي وقت تبدو فيه اجتماعات الآليات الدولية أقرب إلى "شهود زور" منها إلى أدوات ردع؟
أما في سوريا، فالوضع لا يقلّ تعقيدًا. بعد سقوط النظام السابق وتغيّر المشهد الميداني، سعت إسرائيل سريعًا إلى تكريس نفوذها في الجنوب السوري، فأنهت من طرف واحد اتفاق فضّ الاشتباك الموقّع مع دمشق عام 1974، وبدأت بتوسيع نطاق احتلالها وفرض "منطقة أمنية" واسعة. لكنّ هذا السلوك لم يُنتج استقرارًا، بل فتح الباب أمام مواجهات أوسع مع قوى إقليمية ودولية.
هنا أيضًا، يصطدم خطاب نتنياهو مع الوقائع. فبينما يتحدّث عن "تقدّم في الاتصالات" مع الجانب السوري، تواصل الطائرات الإسرائيلية خرق الأجواء، وتستهدف مناطق متفرقة من البلاد، ما يجعل الحديث عن تسوية أقرب إلى "مفاوضات تحت النار". والواقع أنّ أي اتفاق لا يراعي وحدة الأراضي السورية وسيادتها لن يكون سوى "هدنة مفروضة"، سرعان ما ستنهار أمام أول اختبار ميداني.
إلى ذلك، تكشف التقارير عن ضغوط أميركية على تل أبيب لتسريع الاتفاق مع دمشق، وهو ما يجعل الموقف الإسرائيلي يبدو وكأنّه محاولة للهروب إلى الأمام: استثمار حالة الانهيار السوري لصياغة تسوية غير متكافئة، وتقديمها كـ"سلام تاريخي"، فيما هي في الواقع تكريس لمعادلة الاحتلال.
يُدرك نتنياهو أنّ خطابه لن يمرّ بسهولة. فإسرائيل، وإن نجحت في تحقيق مكاسب تكتيكية في لبنان وسوريا، لا تزال تواجه تحديات استراتيجية أوسع: من احتمال تجدّد جبهات المقاومة في أكثر من ساحة، إلى الانقسامات الداخلية العميقة، وصولًا إلى اهتزاز صورتها عالميًا بعد المجازر المتكرّرة. وفي ظلّ هذا الواقع، يصبح الحديث عن "سلام بالقوة" أقرب إلى محاولة لتعويض الإخفاقات السياسية والعسكرية بإنشاء سردية دعائية، أكثر مما هو تعبير عن واقع يمكن أن يصمد.
في المحصّلة، يقدّم نتنياهو للعالم نسخة جديدة من "السلام" تقوم على معادلة بسيطة: القوة أولًا، ثم القبول بالوقائع كأمر واقع. لكنّ هذا النموذج يواجه معضلتين جوهريتين: الأولى أنّه يفتقر إلى أي عنصر من عناصر الاستدامة، لأنّ المجتمعات التي تُقصف يوميًا لن تُسلّم بسهولة بـ"سلام مفروض". والثانية أنّه يعمّق عزلة إسرائيل دوليًا، إذ لم يعد ممكنًا إخفاء مشاهد الدماء والمجازر تحت شعارات القوة.
من لبنان إلى سوريا، تُفنّد الوقائع على الأرض خطاب نتنياهو. وإذا كان الرجل يستعدّ لاستخدام منبر الأمم المتحدة لتسويق "سلام بالقوة"، فإنّ الحقيقة التي يسمعها العالم اليوم أكثر وضوحًا: لا يمكن لأي تسوية أن تقوم فوق أنقاض المدنيين، ولا لأي شرق أوسط أن يولد على مقاس الاحتلال وحده.





















































