مرة جديدة، يعيش جنوب لبنان مأساة لا يمكن مشاهدتها الا في الافلام، وانتقلت الى العالم على جناح الطائرات الاسرائيلية المغيرة. فقد نفذت إسرائيل منذ ايام غارة جوية على منزل في بلدة بنت جبيل، ما أدى إلى استشهاد معظم افراد عائلة لبنانية من المدنيين، بينهم ثلاثة أطفال وقيل ان العائلة من أصل لبناني وتحمل الجنسية الاميركية، وهو ما نفته لاحقاً مصادر الخارجية الاميركية. وبعد ساعات من الصمت والتردد، أصدرت وزارة الدفاع الإسرائيلية بياناً مقتضباً أعربت فيه عن "الأسف لسقوط ضحايا مدنيين"، دون أيّ التزام بالمحاسبة أو حتى اعتراف بالخطأ الاستخباراتي أو القانوني.
ما كان يمكن أن يكون مجرد مأساة إنسانية -لو أن مرتكبها جهة أخرى- تحوّل إلى فضيحة سياسية وأخلاقية تكشف مرة أخرى ازدواجية المعايير في السياسة الدولية، وخصوصا في واشنطن حيث يجلس اليوم الرئيس دونالد ترامب وإدارته الصاخبة. شاءت الصدف الا تكون العائلة اميركية الهويّة، ولكن لو كانت كذلك هل كان تغير شيء؟ هل فكّر احد للحظة لو أن دولة اخرى على غرار إيران أو روسيا أو حتى كوريا الشمالية أو منتمية الى اوروبا ولا تتماشى مع الرؤية الأميركية، نفذت هجومًا مشابهًا أدى إلى مقتل عائلة تحمل الجنسية الأميركية من الأبرياء؟ لقامت الدنيا ولم تقعد، ولكان ترامب نفسه صعد إلى المنابر، متوعدًا بالعقوبات والضربات وحتى "المحو الكامل" كما يردّد عادة. لكنه هذه المرة، يلوذ بالصمت، بل يبارك لإسرائيل "حقها في الدفاع عن النفس"، كما ورد على لسان مستشار الأمن القومي الأميركي، في تصريح فجّ يبرر قتل المدنيين لمجرد أنهم يعيشون في مناطق "مشتبه بها".
أن تقتل دولة عائلة، وتكتفي بـ"الأسف"، يشبه تمامًا أن ترتكب جريمة أمام الكاميرات وتقول لاحقًا "آسف، لم أكن أقصد"، دون أي تبعات قانونية أو سياسية. ما فعلته إسرائيل في بنت جبيل ليس فقط جريمة حرب وفقًا للمواثيق الدولية، بل هو أيضًا إهانة لكرامة الضحايا. وهنا يكمن جوهر الأزمة: من يقرر مَن له الحق في الحزن، ومن يحاسب ومن يعفى؟ الرئيس ترامب وإدارته لا يخفون ولاءهم المطلق لإسرائيل. هذا لم يكن سرًا في فترته الرئاسية الأولى حين اعترف بالقدس عاصمةً لإسرائيل، وألغى المساعدات للسلطة الفلسطينية، بل وبارك ضم الجولان السوري، وهو ما يحصل فعلياً اليوم.
وهو من المؤكد انه كان ليلزم الصمت على مقتل أميركيين بدم بارد، فقط لأن القاتل هو إسرائيل، وهو امر يرقى إلى الخيانة الأخلاقيّة والسياسية لمبدأ العدالة الذي تدعيه واشنطن. ان هذه الجريمة لم تكن استثناءً، بل امتداداً لسجل طويل من اللامبالاة الإسرائيلية تجاه حياة المدنيين-حتى الأميركيين منهم. في عام 2003، قتلت جرافة عسكرية إسرائيلية الناشطة راشيل كوري، وهي مواطنة أميركية، أثناء محاولتها السلمية حماية منزل فلسطيني من الهدم في غزة. لم تُحاسب إسرائيل، ولم تطالب واشنطن يومها إلا "بمزيد من التوضيحات"، وكأن حياة راشيل كوري كانت هامشية في دفتر الحسابات السياسية الأميركية. واليوم، تُكرر إسرائيل الجريمة، وتكرر واشنطن الصمت، فيما شاءت الصدف ان تكون العائلة لبنانية ولا تحمل الجنسية الاميركية...
قد تتجاهل وسائل الإعلام الكبرى هذه الجريمة، وقد يموّه الخبر بين زخم الأحداث، لكن ذاكرة الشعوب ليست قصيرة. وخصوصًا الجاليات العربية والإسلامية في الولايات المتحدة التي تشعر، مرة أخرى، أن دماءها أرخص، ولن يحميها جواز السفر الاميركي. أما إسرائيل، فإنها تمضي قدمًا في عملياتها العسكرية، مطمئنة إلى أن أقصى ما ستواجهه من حليفها الأكبر هو... "الأسف".





















































