في سابقة دبلوماسية تعكس تحولاً في موازين الدعم الدولي، أعلنت 154 دولة اعترافها الرسمي بالدولة الفلسطينية، وذلك بالتزامن مع انعقاد مؤتمر دولي في نيويورك برعاية السعودية وفرنسا وتحت مظلة الأمم المتحدة. هذا المؤتمر، الذي عقد قبل ايام قليلة، ينظر إليه كخطوة محورية في إعادة تفعيل مبادرة "حل الدولتين"، ويأتي وسط مناخ دولي ضاغط على كل من إسرائيل والولايات المتحدة التي لم تترك مناسبة الا وقللت من اهميّة الحدث، ووصفته بأنه لا جدوى منه وكأنه لم يكن.
الاكيد ان إسرائيل التي طالما اعتبرت الدعم الغربي أحد أعمدة قوتها الدبلوماسية، تجد نفسها اليوم امام معضلة تنذر بامكان وضعها في عزلة تدريجيّة. فقد جاء اعتراف هذه الدول خصوصاً فرنسا وبريطانيا وكندا وأستراليا والسعودية وغيرها طبعاً، ومن بينهم شركاء تقليديين لإسرائيل، بمثابة تبدل عميق في الرؤية الدولية حيال استمرار الاحتلال. ولا شك ان تزايد الاعترافات بالدولة الفلسطينية، لا سيما ضمن مؤتمر رسمي دعمته دول مؤثرة كالسعودية وفرنسا، يضعف موقف إسرائيل على الصعيدين القانوني والأخلاقي، ويعزز السرديّة الفلسطينية أمام المحاكم والمحافل الدولية.
في الداخل الاسرائيلي، يمكن أن تؤدي هذه التطورات إلى انقسام سياسي حاد، خصوصا إذا حاولت الحكومة الإسرائيليّة استثمار هذه الضغوط لتعزيز المواقف اليمينيّة المتشدّدة أو تمرير قوانين اكثر قساوة وجنوناً.
في المقابل، سيجهد الرئيس الاميركي دونالد ترامب في احداث الخرق اللازم واضعاف الموقف من الدولة الفلسطينية. اذ لطالما لعبت واشنطن دور "الوسيط الحصري" في عملية السلام، إلا أن رعاية مؤتمر نيويورك من قبل فرنسا والسعودية تعكس بوضوح أنّ المجتمع الدولي لم يعد يثق بتفرد الولايات المتحدة بهذا الملف، خصوصًا بعد فشلها في الضغط على إسرائيل خلال سنوات الحرب في غزة ورفضها المتكرر للاعتراف بالدولة الفلسطينيّة، مع العلم بأنه من غير المتوقع الوقوف في وجه اميركا بشكل قوي، وسيتم الاكتفاء بتسجيل المواقف ومحاولة الفوز بالنقاط. من هنا يلفت قيام دول حليفة للولايات المتحدة بخطوة الاعتراف رغم معارضة واشنطن الضمنيّة، ما يشير إلى تصاعد استقلاليّة القرار الأوروبي والكندي، ويعني أن إدارة ترامب، أو أيّ إدارة مستقبليّة، ستواجه صعوبة في إعادة فرض أجندتها التقليديّة على هذا الملف، اذا لم يسارع الاميركيون الى احتواء الموقف.
بالتالي، يمكن وضع المؤتمر الذي عقد في نيويورك في خانة التغيير من النظرة الى الفلسطينيين، وعلى انه ليس مجرد مناسبة رمزيّة. فإلى جانب الإعلان عن دعم صريح لحل الدولتين، فإنّه شهد للمرة الأولى تنسيقا عالي المستوى بين أوروبا والعالم العربي ومنظمات دولية، في مسعى لإعادة الاعتراف بالدولة الفلسطينيّة كأمر واقع.
ما جرى في نيويورك قد لا يغير الواقع على الأرض فوراً، لكنّه يعلن بوضوح بداية مرحلة جديدة في التعامل الدولي مع الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي. إسرائيل تجد نفسها في موقف دفاعي دبلوماسي غير مسبوق، بينما تواجه الولايات المتحدة اختبارًا صعبًا في موازنة مصالحها الإستراتيجية مع تطلعات حلفائها الدوليين.
يبقى ان كل هذه الخطوات لا تزال ناقصة (ولعل ما قاله الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون من ان دولة فلسطين لن تنشأ حتى تعترف بها اسرائيل) خير دليل. فحتى الدول التي اعترفت بفلسطين، ارادتها دولة من دون فاعليّة اذ يجب عليها ان تكون منزوعة السلاح، ولم يتطرق احد الى حدود هذه الدولة ودورها، وكيفية رد الخطر الاسرائيلي عنها، وقدرتها على الاستمرار في ظلّ النوايا الاسرائيليّة بوأدها قبل ان تبصر النور.
ولكن مجرد الحديث عن هذه الدولة، يبقي حق الفلسطينيين قائماً حتى لو لم يستطيعوا استرداده، ويحفظ للتاريخ حقوقهم، فاعتراف الغرب بالدولة الفلسطينية، المدعوم بمؤتمر دولي واسع، يعكس قناعة متزايدة بأن "إدارة الصراع" لم تعد مقبولة، وأنه آن الأوان لإيجاد حلّ سياسي دائم حتى لو كان ذلك على حساب ثوابت كانت تعتبر قبل سنوات غير قابلة للمساس. ولكن متى موعد الانتفاضة الحقيقية؟.




















































