يشرح علماء اللغات أنَّ اسم يوحنَّا في أصله العبريِّ هو يوحانان، ومعناه «يهوه حَنَّان/الربُّ رحيم». وفعل Hanan موجود بقوَّة في اللغات الساميَّة بمعنى «منح رحمة»، و«أن يكون رحيمًا». وهو فعل يشير إلى «استجابة نابعة من القلب من شخص لديه ما يعطيه لشخص محتاج[1]».
يذكر الكتاب المقدَّس أفعال رحمة بين الناس ورأفة مثلما نقرأ في المزمور مثلًا: «أمَّا الصدِّيق فيترأَّف ويعطي» (مزمور 37: 21)، إلَّا أنَّ عمل الرحمة والحنان يأخذ معناه الكامل بأفعال الربِّ تجاه الإنسان، مثلًا: «الربُّ رحيم ورؤوف، طويل الروح وكثير الرحمة» (مزمور 103: 8). ولا بدَّ من القول إنَّ الحنان والرحمة هما نِعَم إلهيَّة من نِعَم الله.
في اليوم السادس والعشرين من شهر أيلول تقيم الكنيسة تذكار انتقال الرسول يوحنَّا الإنجيليِّ اللاهوتيِّ، وهو عيد يعود على الأرجح إلى القرنين الرابع–الخامس الميلاديِّ.
يتكلَّم الرسول يوحنَّا في آياته على حنان الله ورحمته والنعم الَّتي أغدقها الله على الإنسان، فيقول عن الربِّ يسوع المسيح: «ومن ملئه نحن جميعًا أخَذْنا، ونعمةً فوق نعمة. لأنَّ الناموس بموسى أُعطِيَ، أمَّا النعمة والحقُّ فبيسوع المسيح صارا» (يوحنَّا 1: 16-17). ومِن أجمل ما يذكره في هذا السياق ما قاله يسوع لنيقوديمس: «لأنَّه هكذا أحبَّ الله العالم حتَّى بذل ابنه الوحيد، لكي لا يهلك كلُّ مَن يؤمن به، بل تكون له الحياة الأبديَّة» (يوحنَّا 3: 16).
يخبرنا يوحنَّا الرسول عن أعظم محبَّة في العالم، وعن أعظم رحمة وأعظم حنان، وإنجيله من بدايته يأخذنا بمسيرة نحو الصليب فالقيامة المجيدة. وقد تميَّز يوحنَّا الإنجيليُّ بأسلوبه اللاهوتيِّ عن الإنجيليِّين الثلاثة متَّى ومرقس ولوقا ولُقِّبَ بالنسر لأنَّه حلَّق باللاهوت، ويعتبر أهمَّ لاهوتيٍّ في تاريخ المسيحيَّة مع أنَّه كان صيَّاد سمك. هذا الأمر بحدِّ ذاته عجيبة كبرى ودرسٌ لنا جميعًا، لأنَّ اللاهوت هو عيش وصلاة وإفراغ الذات والامتلاء من الروح القدس، وليس انتفاخًا عقليًّا ومبارزة كلاميَّة وسباقًا في الألقاب والمراكز. اللاهوت هو بساطة القلب والتواضع والمحبَّة. لا يعني بتاتًا هذا الكلام ألَّا نتعلَّم ولا ندرس ونتعمَّق ونقوم بأبحاث ومقارنات ونتخصَّص، بل أن نعيش ما نتعلَّمه بالروح القدس ونعتبر أنَّ دراستنا هي لمجد الربِّ وليس لمجدنا الأرضيِّ والانتفاخ المريض والكبرياء القاتل للنِعَم. فيسوع لم يختر تلاميذه من المجلس اليهوديِّ أو من الكتبة أو الفرِّيسيِّين بل من البسطاء، لأنَّ الكبرياء يجعل المرء شيطانًا دون رحمة وحنان ومحبَّة. وهذا تمامًا ما أنشدته والدة الإله قائلة: «شتَّتَ المستكبرين بفكر قلوبهم. أنزل الأعزَّاء عن الكراسيِّ ورفع المتَّضعين» (لوقا 1: 51-52). فلا عجب أن يقول القدِّيس مكسيموس المعترف أنَّ اللاهوت دون العيش يصبح شيطانيًّا.
بالعودة إلى القدِّيس يوحنَّا الإنجيليِّ، ما نعرفه عنه هو أنَّه عمَّر في السنِّ أكثر من باقي الرسل، ورقد رقادًا طبيعيًّا عن عمر يقارب ٩٥–١٠٠ سنة، وكتب الإنجيل والرسائل والرؤيا في آخر حياته. ويلقَّب بالتلميذ الحبيب تيمُّنًا بما جاء في الإنجيل (يوحنَّا 13: 23، 19: 26، 21: 7).
في الفنِّ الكنسيِّ يظهر الرسول ذا شعر قصير ومموَّج، وشابًّا ذا وجه بيضاويٍّ لأنَّه كان الأصغر بين الرسل (حوالي 20 سنة)، وعيناه كبيرتان تعبيرًا عن أنَّه يحدِّق في الملكوت ارتباطًا بعمق لاهوته، ودون لحية، تمامًا كما نشاهده في أيقونة التجلِّي وأيقونة الصلب واقفًا تحت الصليب إلى جانب والدة الإله، حين قال يسوع لها بأنَّه ابنها، كذلك قال له الربُّ بأنَّ والدة الإله هي أمُّه (يوحنَّا 19: 26-27).
كما نراه في أيقونات كبيرًا في السنِّ، جالسًا في مغارة مع تلميذه بروخوروس الَّذي غالبًا ما يُعتبر كاتبًا أو ناسخًا لبعض رسائل يوحنَّا أو من ساعده في تدوين أعماله.
وهناك أيقونات يضع فيها الإنجيليُّ يوحنَّا يده على فمه إشارة إلى أنَّ الربَّ هو المتكلِّم وإلى الصمت الداخليِّ والتأمُّل، وحفظ الأسرار الإلهيَّة، كذلك إلى الحكمة والتواضع. وهو يكتب فيها إنجيله وعلى كتفه نسر، وأحيانًا ملاكًا على كتفه كرمز للوحي الإلهيِّ، ونسرًا إلى جانبه، وفي أيقونات أخرى نشاهد الملاك فقط.
ألوان ثيابه الخارجيَّة ورداؤه الداخليُّ تتنوَّع بين البنِّيِّ والأخضر والأزرق والأحمر الفرِح.
كذلك يُرمَز له بالنسر ضمن الرموز الأربعة الَّتي ترمز إلى الإنجيليِّين الأربعة، والَّتي تحيط بالربِّ الجالس على العرش (متَّى كملاك إنسان لأنَّه أظهر يسوع كصديق مرافق للإنسان. مرقس كأسد لأنَّه يبدأ إنجيله بالقدِّيس يوحنَّا المعمدان الصوت الصارخ في البرِّيَّة كزئير الأسد. لوقا كثور لأنَّه يبدأ إنجيله في الهيكل حيث كانت تُقَدَّم الذبائح، ويوحنَّا كنسر).
الأيقونات الَّتي يكون فيها كبيرًا يكون جبينه عريضًا وأصلع الرأس (من الأعلى، مع بقاء بعض الشعر على الجانبين ولحيته طويلة) إشارة إلى الحكمة الإلهيَّة.
أقدم تصوير له، كما يبدو، نشاهده في فسيفساء كاتدرائية San Vitale في Ravenna بإيطاليا، حيث يظهر يوحنَّا الإنجيلي شابًّا، وقد كُتِب عليها IOHANNIS، وهي الترجمة اللاتينية للاسم العبري يوحانان عبر اليونانية Ἰωάννης.
كما هناك لوحة عاجيَّة (9.5 – 18.3 سنتم) مصدرها ألمانيا الحاليَّة (Aachen) من العصر الكارولنجي Carolingian (حوالي ق 9) موجودة في متحف The Cloisters, New York City نرى فيها يوحنَّا الإنجيليَّ يحمل كتابًا مفتوحًا مكتوبًا عليه: «في البدء كان الكلمة» (يوحنَّا 1: 1). فوق الهالة يوجد رمزه، النسر. النقش على طول الحدود العليا يقول: «عن طريق النسر الطائر يصل يوحنَّا إلى السماوات من خلال الكلمة». وهي جملة من Carmen Paschale وهي قصيدة كتبها الكاتب المسيحيُّ من القرن الخامس الميلادي Caelius Sedulius.
أيُّها القدِّيس يوحنَّا الإنجيليُّ اللاهوتيُّ ساعدنا لكي نحلِّق معك إلى حضن الربِّ الملكوتيِّ.
إلى الربِّ نطلب.
[1]. HAW Theological Wordbook of the Old Testament (TWOT)






















































