تحوّلت ​إضاءة صخرة الروشة​ بصور الأمينين العامين السابقين ل​حزب الله​ السيدين حسن نصرالله وهاشم صفي الدين، ورئيس الحكومة الراحل ​رفيق الحريري​، من حدث تذكاري إلى أزمة سياسية فرضت نفسها لايام، واعتبرها رئيس الحكومة ​نواف سلام​ انها تضع موقع رئاسة الحكومة على المحك، وتهدد فرض سلطة الدولة في مواجهة واقع القوة الميداني. ولا يزال البلد يعيش منذ اكثر من أسبوع، تداعيات ما حصل، رغم انه باعتبار الكثيرين من المحللين والمتابعين ومنهم من يعارض حزب الله بشدة، لا يستأهل الحدث كل هذه الضجة، فما حصل في الذكرى السنوية لاغتيال السيد نصر الله بعد يوم واحد على اضاءة الصخرة كان اكبر بكثير واكثر أهمية، ولم تكن له أي تداعيات على الصعيدين الميداني والسياسي.

الخطأ الاستراتيجي الأول الذي ارتكبه سلام، تمثل في تحويل موضوع الإضاءة إلى ​معركة وجودية​، مصوراً الامر على انه تحد للدولة، التي لا يمكنه ادعاء انه يمثلها لوحده، فرئيس الجمهورية مثلاً (الذي كان في نيويورك)، لم يكن موافقاً على قرار سلام، ولم يجد في الإضاءة ما يهدد الدولة وسلطتها ووجودها، ولن نتكلّم عن موقف رئيس مجلس النواب الذي يتحدث عن نفسه (وهو لا يزال رئيساً لمجلس النواب بغض النظر عن تأييد مواقفه او معارضتها). فالحدث، في جوهره، كان يمكن معالجته بهدوء وحنكة سياسية بعيداً عن التضخيم الإعلامي، لكن رئيس الحكومة اختار تصعيد الموقف مندداً بالمخالفة الصريحة، ليجد نفسه في مواجهة لا يملك فيها أدوات الحسم، محولاً قضية ثانوية إلى امتحان لسلطته ومصداقيته.

لا شك ان على سلام ان يتقن اختيار معاركه السياسية، فصحيح انه اتى من عالم اللاسياسة، وربما يملك نوايا طيبة تجاه البلد ونهوضه، ولكن عليه ان يدرك ان المعترك السياسي اللبناني دقيق وتحكمه معادلات وتوازنات لا يمكنه الاخلال بها او التفرد بتغييرها، وسبق له ان خسر مواجهات سياسية عديدة، اذ منذ توليه منصبه، يجد نفسه في مواجهات متكررة مع رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون ورئيس المجلس نبيه بري، خسرها بوضوح. الخلافات حول الصلاحيات وتوزيع السلطة وآليات اتخاذ القرار تركته في موقع دفاعي دائم، يفتقد إلى أي زخم سياسي يمكّنه من فرض رؤيته للدولة.

اما الخطأ الأبرز الذي وقع فيه اخيراً، كان محاولته استخدام الجيش كورقة ضغط ووضعه في الواجهة. فالجيش يمثل نقطة التقاء نادرة بين جميع اللبنانيين، وهو المؤسسة الوحيدة التي لا تزال تحظى بإجماع وطني. والمفارقة أن سلام نفسه، مثل خصومه، يراهن على الجيش في معادلاته السياسية، ما يجعل انتقاده للمؤسسة العسكرية بمثابة إطلاق نار على قدمه السياسية.

يدرك سلام جيداً أن المعركة التي خاضها محسومة النتيجة منذ البداية. فهو لا يستطيع رفع سقف المواجهة لأسباب محلية وإقليمية ودولية معقدة. كما أن حزب الله تحدى قراره علناً، مما وضعه أمام خيارات محدودة: إما التراجع والظهور بمظهر الضعيف، وإما التصعيد الذي لا يملك أدواته، علماً انّ الاستقالة أو الاعتكاف ليست خياراً متاحاً في ظل التوازنات الحساسة والضغوط الخارجية التي فرضت وجوده في هذا الموقع.

الأكثر دلالة على ضعف موقف سلام هو عدم حصوله على مساندة فعلية حتى من الدول الأكثر عداءً لحزب الله، وفي مقدمها الولايات المتحدة. فالإدارة الأميركية، رغم خطابها المعادي للحزب، لم تقدّم أي دعم ملموس لموقف رئيس الحكومة، ما يعكس إدراكها لعدم جدوى المعركة وعدم واقعيّة شروط الحسم.

يجري العمل حالياً على إيجاد مخرج عبر تسطير بلاغي بحث وتحرٍّ بحق شخصين من المسؤولين عن الإضاءة، في محاولة لحفظ ماء وجه رئيس الحكومة. لكن هذه "المعاقبة" الصوريّة لن تخفي حقيقة الهزيمة السياسية، ولن تعيد لسلام هيبة يبحث في المكان الخاطئ عن فرضها.

تبقى صخرة الروشة محفورة في الذاكرة اللبنانية كمكان للقفز والانتحار، لكن الانتحار السياسي الحقيقي لم يحدث عند الصخرة هذه المرة. قفز سلام عن صخرة الروشة، وهو في انتظار من سينتشله من الماء...