يستعد الجيش اللبناني لتقديم تقريره الأول حول خطة حصر السلاح، وهو سيشكّل محطة سياسية وأمنية بارزة حين يُعرض أمام مجلس الوزراء في جلسته المقبلة. فالمؤسسة العسكرية، التي وضعت ثقلها في الجنوب خلال الأسابيع الماضية، عملت على إعداد جردة دقيقة لما جرى إنجازه جنوب الليطاني، سواء على مستوى الانتشار العسكري أو على صعيد مصادرة بعض الأسلحة والدخول إلى أنفاق تم رصدها.
التقرير، وفق المعلومات المتداولة في الكواليس، لا يقتصر على الشق العملياتي فقط، بل يوثّق كذلك العقبات والتحديات التي واجهها ويواجهها الجيش في تنفيذ مهماته، بدءاً من التطورات الأمنية المتصاعدة، وصولاً إلى المعضلة الأكبر المتمثلة بالاحتلال الإسرائيلي المتواصل للأراضي اللبنانية والخروقات اليومية للسيادة اللبنانية.
بحسب مصادر سياسية مطلعة فإن المؤسسة العسكرية، وهي تعرض تقريرها أمام مجلس الوزراء، تريد أن تؤكد أنها التزمت ما طُلب منها حرفياً في قرار مجلس الوزراء، أي الانتشار جنوب الليطاني، التعاون مع قوات اليونيفيل، والمشاركة في آليات الميكانزيم التي ترأسها الولايات المتحدة. لكنها في الوقت نفسه ستقدّم صورة شاملة عن واقع ميداني يحدّ من قدرتها على استكمال المهمة. فالحصر لا يتحقق بقرار سياسي فقط، بل يحتاج إلى دعم متكامل، لوجستي وتقني وميداني، كما يحتاج قبل كل شيء إلى وقف الاعتداءات الإسرائيلية وانسحابها من الأراضي اللبنانية المحتلة التي ما زالت تشكّل ثغرة تمنع استكمال بسط سلطة الدولة.
"التقرير، حين يخرج إلى طاولة الحكومة، لن يكون مجرد وثيقة عسكرية باردة"، تقول المصادر عبر "النشرة"، مشيرة إلى أنه في جوهره رسالة سياسية، يضع فيها الجيش الطبقة السياسية أمام مسؤولياتها. فالمؤسسة العسكرية تقول بوضوح لقد بدأنا، تقدمنا، ضبطنا، لكننا لم ننته. وما بين ما أُنجز وما لم يُنجز، تقف الحاجة الملحّة إلى موارد إضافية تسمح بتثبيت النقاط الجديدة وتأمين عناصرها وتجهيزها بما يكفي للاستمرار في المهمة. الجيش سيشير أيضاً إلى أن استمرار الاعتداءات الإسرائيلية، من خروقات جوية وبرية واعتداءات مباشرة على المدنيين، يعيق أي محاولة لتثبيت الاستقرار في الجنوب، بل يجعل كل خطوة معرضة للارتداد، وهو بذلك يرمي كرة النجاح في تطبيق الخطة على الاحتلال الاسرائيلي وداعميه الأميركيين.
تُشير المصادر عبر "النشرة" إلى أنه في البعد السياسي الأوسع، لا يمكن فصل هذا التقرير عن المناخ الإقليمي والدولي الذي يحيط بلبنان. فالمجتمع الدولي يكرر في العلن دعمه للمؤسسة العسكرية، لكنه في الواقع لم يوفّر بعد ما يكفي من إمكانات عملية تمكّن الجيش من استكمال مهماته على الأرض. وهذا التردد الدولي يعيد إنتاج المعادلة القديمة التي تطلب من لبنان بسط سيادته كاملة جنوب الليطاني، لكن الاحتلال يفرض وقائع عسكرية على الأرض، والجيش يجد نفسه وحيداً في مواجهة تحديات تفوق قدراته الراهنة.
وعليه، فإن التقرير المنتظر قد يتحوّل إلى مادة سجالية داخل مجلس الوزراء، دون أن يتحول إلى خلاف كبير، إذ أن فريقاً سيقرأ فيه دليلاً على التزام الجيش بخطة الدولة وضرورة منحه المزيد من الإمكانات، فيما فريق آخر قد يراه وثيقة غير مكتملة أو غير كافية لتحقيق الهدف المعلن. لكن ما لا يمكن تجاهله أن الجيش، من خلال هذا التقرير، يضع إصبعه على جوهر المعضلة إذ لا خطة حصر سلاح بلا دعم فعلي، ولا إمكانية لإنجاز المهمة طالما بقي الاحتلال جاثماً على أراضٍ لبنانية، وطالما استمرت الاعتداءات والخروقات من دون رادع.
بهذا المعنى، يصبح التقرير ليس فقط أداة لتقييم ما جرى حتى الآن، بل انعكاس لحدود القدرة اللبنانية أمام ثقل المعادلة الإقليمية. فالجيش يقدّم أوراقه الآن، لكن استكمال المهمة يبقى رهناً بقرار سياسي داخلي أكثر صلابة، وبموقف دولي أكثر جدية، وبانسحاب إسرائيلي يشكّل الشرط الأول لنجاح أي خطة لحصر السلاح وبسط سلطة الدولة جنوب الليطاني.