مرّ "قطوع" الجلسة الحكومية الأخيرة بسلام، حرفيًا، فبينما كان البلد يستعدّ لأزمة سياسية جديدة بعد تسريبات عن نية رئيس الحكومة ​نواف سلام​ سحب ترخيص جمعية "رسالات" التابعة لـ"​حزب الله​"، وردّ الحزب الاستباقي بالتحذير من عواقب مثل هذه الخطوة، انتهت الجلسة بهدوء نسبي، بعدما اكتفت الحكومة نتيجة اتصالات ربع الساعة الأخير، بقرار وُصف بأنه "تعليق مؤقت" لعمل الجمعية، لا إلغاء له.

لكن خلف هذا الهدوء الظاهري، برزت مؤشرات إلى تباين أعمق داخل السلطة التنفيذية، ليس فقط بين "حزب الله" ورئيس الحكومة نواف سلام، حيث يتفاقم التوتّر يومًا بعد يوم، حتى بات يتجدّد على أمور قد تُعَدّ شكليّة أو حتى سطحيّة، ولكن حتى بين رئيس الجمهورية ​جوزاف عون​ ورئيس الحكومة، في كيفية التعامل مع "حزب الله" وحدود مقاربة ملف السلاح، على الرغم من أنّ الرجلين ملتزمان بمبدأ "حصر السلاح بيد الدولة".

فبحسب ما تسرب من مداولات الجلسة، فإن سلام كان مصرًّا على المضي في قرار سحب ترخيص الجمعية التابعة لـ"حزب الله"، في رسالة "ضمنية" إلى الحزب، مفادها أنّ المعادلات الجديدة أفقدته ما كان يتمتع به من "نفوذ"، لكن الاتصالات التي تولاها رئيس الجمهورية جوزاف عون، بمشاركة رئيس مجلس النواب نبيه بري، أدت إلى تسوية عاجلة أفضت إلى تعليق القرار وتبريد الأجواء بصورة أو بأخرى.

عمليًا، لم يخرج أي من الطرفين منتصرًا، لتكون النتيجة أنّ الحكومة تجاوزت "قطوعًا آخر"، بعدما أضحت كلّ جلسة من جلساته مشروع "تفجير" بأتمّ معنى الكلمة، فمن يتحمّل مسؤولية هذا الواقع الحكوميّ المتوتّر؟ هل هو رئيس الحكومة الذي يصرّ على "استفزاز" الحزب، أم هو "حزب الله" الذي يرفض الإقرار بموازين القوى الجديدة، ويتمسّك بمعادلات سقط مفعولها؟ وماذا عن التباين بين عون وسلام، في التكتيك والمقاربة على الأقلّ؟!.

في المبدأ، يمكن القول إنّ الجلسة الأخيرة كرّست ما يحلو للبعض وصفه بـ"التباين" بين رئيسي الجمهورية والحكومة في التعامل مع "حزب الله"، فبينما كان سلام يرفع سقف المواجهة إلى الحدّ الأقصى، وهو الذي يعتبر أنّ حادثة صخرة الروشة شكّلت تحدّيًا مباشرًا له، كان عون يلعب مجدّدًا دور صمّام الأمان، إن صحّ التعبير، محاولًا منع تكرار الانفجار السياسي الذي شهدته حكومات سابقة عند كل احتكاك مباشر مع الحزب.

لكنّ التباين بين سلام وعون إزاء "حزب الله" لم يكن عمليًا وليد هذه الجلسة، فخلال الأشهر الماضية، برزت ازدواجية واضحة في مقاربة السلطة التنفيذية للملف، رغم الاتفاق على العناوين الكبرى، ولا سيما أنّ رئيس الجمهورية حرص على التعامل مع الحزب بوصفه مكوّنًا أساسيًا لا يمكن تجاوزه، وهو ما كان يبلغه للوسطاء الأميركيين أنفسهم، فيما كان رئيس الحكومة يعمل على إظهار حكومته أمام المجتمع الدولي كحكومة قادرة على تنفيذ الالتزامات اللبنانية.

وبين هاتين المقاربتين، بدا أنّ الحكومة تتحرّك في مساحة رمادية دقيقة، تجمع بين التشدّد اللفظي والواقعية السياسية، حيث إنّ سلام يحتاج إلى مخاطبة الخارج وإثبات استقلالية القرار، فيما يدرك عون أن نجاح الحكومة والعهد في الاستمرار يتطلب تهدئة الداخل، لا استفزازه. ولعلّ هذا التباين هو ما يفسّر مثلاً تمييز "حزب الله" بين كل من رئيس الجمهورية والحكومة، حتى لو نطقا الجملة نفسها، كما حصل في أكثر من مناسبة.

استنادًا إلى ما تقدّم، من الخطأ قراءة ما جرى كحادث معزول، فالأزمة المتصلة بجمعية "رسالات" ليست سوى وجه من وجوه الخلاف المتنامي حول خطة "حصرية السلاح"، التي ناقشتها الحكومة مؤخرًا واطّلعت على تقرير الجيش بشأن تنفيذها في الجنوب، والتي تتفرّع منها كلّ الخلافات بين الحزب ورئيس الحكومة، وآخرها التوتر على خلفية حادثة إضاءة صخرة الروشة بصورة السيد حسن نصر الله.

لكن في العمق، يعكس هذا التباين اختلافًا في المنهج أكثر منه في الموقف.

فسلام، الآتي من خلفية دبلوماسية، يميل إلى منطق المواجهة الهادئة، لكنه يستخدم الأدوات القانونية والإدارية للضغط على "حزب الله"؛ تمامًا كما حصل في قضية "رسالات"، وفي المقابل، يعتمد عون البراغماتية العسكرية: لا يمانع تطبيق مبدأ "حصرية السلاح"، لكنه يراه مسارًا طويلًا لا يمكن فرضه دفعة واحدة، بل عبر التفاهمات المرحلية.

المفارقة أن هذا التباين لا يقتصر على الداخل، بل يُراقب خارجيًا بدقة. فالدول الداعمة للحكومة، وفي مقدمتها الولايات المتحدة وفرنسا، تعتبر نواف سلام الضمانة لاستمرار التزام لبنان بخارطة "الإصلاحات السيادية"، لكنها تدرك أن بقاء الحكومة ممكن فقط بفضل التوازن الذي يؤمنه جوزاف عون في وجه أي صدام مباشر مع الحزب، في ظلّ معادلة دقيقة يعبّر عنها كلّ ما يجري، قوامها أنّ مصير الحكومة على المحكّ.

من جانبه، يقرأ "حزب الله" هذا التباين بهدوء، ويديره بعناية. فالحزب يعرف أن جوزاف عون لا يريد التصادم، لكنه يراقب أيضًا الخطاب المتصاعد داخل الحكومة حول "السلطة الحصرية" و"الالتزام بالشرعية الدولية". ومع أنّ الحزب يعتبر سلوك سلام "مستفزًا" في الكثير من الأحيان، لكنه لا يريد منحه صفة العداء الكامل، حفاظًا على استقرار الحكومة التي تشكّل بالنسبة إليه "غطاءً ضروريًا" في هذه المرحلة التي يصحّ وصفها بالانتقالية.

في الوقت نفسه، لا يتردد قادة الحزب في التعبير عن امتعاضهم من أداء الحكومة، كما فعل النائب حسن فضل الله مؤخرًا حين اتهمها بـ"استهداف المقاومة بغطاء إداري"، وهو موقفٌ أراد به الحزب إرسال رسالة مزدوجة: التهدئة ممكنة، لكن لها حدود، علمًا أنّ الأمين العام للحزب الشيخ نعيم قاسم يكرّر في كلّ خطاباته رفض قرارات الحكومة بشأن السلاح، وهو سبق أن ذهب لحدّ اتهامها بالانصياع للإملاءات الخارجية، الأميركية والإسرائيلية.

عمومًا، يعتقد العارفون أنّ قضية "رسالات" التي تصدّرت المشهد في الأيام القليلة الماضية ستطوى تدريجيًا، وكذلك حادثة الروشة التي بدأت تتراجع، مع تقدّم ملف "حصرية السلاح" من جديد، إلا أنّ الأكيد أنّ الأزمة لن تغلق بالكامل، بعدما كشفت مرّة أخرى عن حدود السلطة نفسها، إذ يعيش لبنان اليوم على خط توازن دقيق بين منطقين: منطق الدولة التي تحاول فرض حضورها، ومنطق المقاومة التي ترفض الخضوع للأمر الواقع.

يمكن القول إنّ "القطوع" مرّ هذه المرة، لكن لا أحد يضمن أن يمرّ الذي يليه.

فالتباين بين عون وسلام، وإن بقي مضبوطًا تحت سقف التنسيق، يعكس ازدواجية حقيقية في رؤية الدولة ودورها، بين من يريد إعادة رسم حدودها، ومن يسعى إلى حمايتها من الانهيار.

وفي ظل تصاعد التحديات الإقليمية والضغوط الدولية، يبدو أن الحكومة ستعيش، في المرحلة المقبلة، على إيقاع تسويات يومية دقيقة، عنوانها الدائم: كيف يمكن أن تبقى الدولة ممسكة بزمام الأمور، من دون أن تلامس الخط الأحمر الذي يرسمه "حزب الله"؟.