مِنَ الأبعادِ السَحيقَةِ، يُطِلُّ لبنانُ إنعِتاقاً يُبينُ شَراكَةَ العَقلِ والحُبِّ. هوَ العُمقُ وَهوَ الذُخرُ. في خُلوَةِ الحَقيقَةِ.
لبنانُ الحَضرَةُ هَذِهِ، هوَ لبنانُ المِثالُ. لا لبنانَ المُساوَماتِ والتَسوِياتِ، لا لبنانَ تَجاوزَ الحَقِّ، حينَ هوَ المُشرِفُ على صَفاءِ الصُعودِ لا على تَسارُعِ الإنهيارِ. ما مِعنى الحَياةِ؟ ذاكَ سؤالُهُ، إن أنتَ وَقَفتَ أمامَهُ، تَهِمُّ بِعُبورِ سِرَّهِ الى ماهِِيَّتِهِ. أنتَ هُنا أوَّلاً مُختاراً في الوجودِ وَمِنهُ وَإلَيهِ. المَقصِيُّونَ عَن سِرِّ لبنانَ، بَعضُ ساسَةٍ ‒والسياسَةُ قيادَةٌ لا تَهافُتَ إنبِطاحاتٍ‒ وَبَعضُ أهلِ دينَ ‒وَشتَّانَ ما بَينَ الدينِ والإيمانِ. هُمُ أقصوا أنفُسَهُمُ، إذ راموا بالبُهتانِ، دَجَلاُ يُحيونَهُ إستِقامَةً، مُراوَغَةً يَستَجمِعونَها عَدلاً، إستِغلالاً يَستَهوونَهُ حِكمَةً، تَنَعُّماً بِلَحظَةٍ وإن طالَت فَهيَ الى إنقِضاءٍ. فَفَناؤهُمُ لَيسَ في المَرجوِّ بَل في الَلعنَةِ الإفنائِيَّةِ، وَهيَ مَنزِلَةُ المَلعونينَ المُتَخَلَّى عَنهُمُ مِن نِعمَةِ الصِدقِ وَشَهادَةِ التَصديقِ.
هُمُ الحيرَةُ القاتِلَةُ لِأنفُسِهِمِ، وأنتَ الواثِقُ في إستِحالَةِ المُحالِ.
بِذاكَ تَكونُ لُبنانِيَّاً أو لا تَكونُ.
لبنانُ الذي يُلهِمُكَ، هوَ بَدءُ إعتِرافِكَ أنَّهُ المِثالُ وأنتَ صِدقُ مِثالِهِ. هوَ ثِقَتُكَ في وَحيّهِ وأنتَ ثِقَتُهُ في تَحقيقِهِ.
لبنانُ الذي يُحَقِّقُكَ، هوَ إكتِمالُكَ في الجَبَروتِ الذي يَدفَعُكَ الى طَلَبِ المَزيدِ مِنَ النِعمَةِ وأنتَ فيها، المَزيدَ مِن عَيشِها وأنتَ لَها، المَزيدَ مِن غايَتِها وأنتَ غايَتُها.
بِذاكَ تَكونُ لبنانَ أو لا تَكونُ.
أنتَ تُحاوِرُهُ فيما أنتَ مِنهُ وَفيهِ وَلَهُ. أنتَ تَفاعُلُهُ مَعَ ذاتِهِ وَذاتِيَّاتِ العالَمِ، في إنتِماءٍ حَميمِيٍّ الى ما هوَ: ثَورَةُ إبتِكارِ قَضِيَّةً كُبرى. إتقانُها، والإنضِواءُ فيها.
أنتَ تُبدِعُهُ، نَفَذتَ بِهِ الى أجيالٍ تَنطَبِعُ بِهِ فَيَغدوَ تَراكُمُها فيهِ وَمِن أجلِهِ، لا في إرتِضاءِ الوقوعِ خارِجاً عَنِ الوجودِ، في أعمَقِ هُوَّةٍ مِن إنحِطاطِ النِسيانِ.
لا! لَيسَ لبنانُ إستِعاضَةُ الإنهِزامِ في إرتِجالِيَّاتِ الإنحِطاطِيَّةِ، كَما يَشاؤهُ بَعضُ مَن في عُتهِ الحَقيقَةِ.
الوثوقُ بِالتَصديقِ
أجَل! لبنانُ المِثالُ هوَ لبنانُ الوثوقُ في ثَباتِ الحُرِيَّةِ، والحُرِيَّةُ نُموٌّ في الذُروَةِ. وَهَذا يَتأتَّى بِالرُسوخِ في التأكيدِ.
أجَل! لبنانُ المِثالُ هو لبنانُ التَصديقِ في البُلوغُ الحَيِّ، الصَلبِ، الفاعِلِ، لِلذُرى مِنَ الذُرى.
بِذاكَ تَغدو أنتَ المُختارُ لِلبنانَ، تالياً، المُصطَفى فيهِ. وَقَد تَعَهَّدتَهُ أثَمَنَ ما فيكَ.
ها لَكَ، تأكيدُ الأديبَةِ الصينِيَّةِ، رائِدَةُ الرِواياتِ والقَصائِدَ والتَرجَمَةِ، بينغ شين 冰心 وَإسمُها الأصليُّ شيه وانيينغ 謝婉瑩 (1900-1999). هيَ ما عَرِفَت عَن لبنانَ إلَّا إسمَهُ Líbānèn، وَلا عَرِفَت جُبرانَهُ، لَكِنَّ "النَبيَّ" الطالِعَ مِن لبنانَ-المِثالِ رَفَعها الى قِمَمِ الدُخولِ الصَميميِّ فيهِ. سافَرَت إلى بوسطِنَ في آبِ 1923، عامَ نَشرِ "النِبيِّ" بِالإنكليزِيَّةِ. وَفي صَيفِ 1927، كانَت إنتَهَت مِن تَرجَمَتِهِ الى الصينِيَّةِ، وَعِندَما بَدأت كِتابَةَ المُقدِّمِةِ-الإعتِرافِ بِلبنانَ-جُبرانِ لِتَرجَمَتِها عامَ 1931، توفيَ جُبرانُ بِسَبَبِ المَرَضِ، لَكِن بَفَضلِها غدا جُبرانُ-لبنانَ أكثَرَ المُفَكِّرينَ شُهرَةً وَشَعبِيَّةً في الصينَ، وَهوَ الوَحيدُ مِن بَينِ القِمَمِ الذي تَصدُرُ المَجموعَةُ الكامِلَةُ لِأعمالِهِ فيها، فَضلاً عَن عَشَراتِ الأُطروحاتِ الأكاديمِيَّةِ حَولَ أعمالِهِ.
قُلتُ لبنانَ المِثالُ؟ هوَ الوثوقُ بِذاكَ التَصديقِ الذي يَضُمُّ ضَمَّاً قِوامِيَّاً constitutive فَيوجِدُكَ، بِحَيثُ لا توجَدُ بِالفِعلِ إلَّا إذا أوجَدَكَ بِالكَثرَةِ الوافِيَةِ، النافِذَةِ.
لبنانُ وَحدَهُ يُصَيِّرُكَ في القِمَّةِ: يَمنَحُكَ إمكانَ كَينونَتِكَ غَيرَ ما أنتَ، مَعَ حِفاظِهِ على كَينونَتِكَ كَما أنتَ!